الأربعاء، 7 ديسمبر 2016

الجزء السادس :
لقد بدأ اليوم بداية غريبة ولا تدعو للتفاؤل ، فليرحمنا الله ويلطف بنا . أثناء انشغالي بإعداد الطعام لاحظت أن الخالة فاطمة كانت طوال الوقت صامتة ولا تتحدث كعادتها معي .. أما عن هناء فهي فتاة طيبة صامتة طوال الوقت وقليلة الكلام الى حد انك لو تركتها لعشرة أيام كاملة دون أن تبادرها بحديث لما تكلمت . كانت هناء تعمل أمام الفرن مع الخالة لتساعدها فلم تحاول الخالة العبث معها في الحديث أو ممازحتها كما تفعل كل يوم . قلقت على الخالة فتحدثت إليها كي اعرف ما وراءها فقلت : "خالتي هل انتي متعبة اليوم ما بالك لا تتكلمين ؟" نظرت الخالة الي طويلا ثم قالت وهي ساهمة : "اعتني بسهيلة .. فإنها واقعة بورطة كبيرة .. اتذكرين الحلم الذي رأيته وقمت منه فزعة قبل الفجر؟" قلت : "نعم اذكره" قالت : "لقد كان يخص سهيلة ، لكنني لم اتخيل أن يتحقق الحلم بهذه السرعة" فقلت : "ماذا رأيت يا خالة ؟" قالت : "رأيت أشخاصا لا اعرفهم .. رجال .. يطاردونها وكانت تجري و تلهث في طريق مظلم .. اعتني باختك يا ابنتي واعرفي منها ما الأمر فقد تكون بمازق كبير" قلت : "حاضر سأتحدث معها حينما تستيقظ من نومها". في تلك اللحظة ناداني جدي فخرجت لاستطلاع الأمر فقال لي : "هيا معي لنحضر بعض الحمام من البرج لذبحه فمرعي الصياد لن يحضر السمك اليوم فما من صياد يستطيع النزول إلى البحر أو حتى النهر اليوم .. هيا" كانت الساعة قد تجاوزت الثامنة إلا إن السماء كانت ملبدة بالغيوم والشمس لم تشرق بعد و الأمطار مازالت تهطل بغزارة. كان المشهد غريبا خارج المنزل فقد امتلأت أحواض الزرع بالماء و كانت الأرض الطينية زلقة للغاية مما اضطرني لاسناد جدي أثناء سيرنا الي البرج الذي يقع بالحديقة الخلفية للمنزل . لم يخرج الحمام من البرج هذا الصباح لسوء الجو .. انتقينا خمسة عشر زوجا من الحمام و اخذناهم إلى داخل المنزل تمهيدا لذبحهم وتنظيفهم ثم حشوهم بمساعدة هناء والخالة فاطمة إذ من عادة جدي جلب ما يزيد على عددنا من الحمام تحسبا للظروف . حين دخلت طلبت من هناء الخروج للحديقة الخلفية وانتقاء كرنبة كبيرة وبعض الخضروات تمهيدا لاعدادها من أجل وليمة اليوم .. كان علي ان اتصرف من الخضروات والحبوب الموجودة لدي لأنه ما من أحد سوف يجلب لي شيئا من المدينة اليوم في مثل هذا الجو الماطر .
كانت الساعة قد قاربت على التاسعة والنصف حين رن جرس الهاتف الارضي الموجود بالصالة الكبيرة وسمعت جدي يناديني حين خرجت من المطبخ لاستطلاع الأمر كانت مشرفة مدرسة البنات الأخت مادلين على الهاتف ، وقد ابلغتني بسرعة من يحضر للمدرسة لأخذ البنات حيث ان المدرسة قد تضررت كثيرا بفعل الأمطار الغزيرة ولن يتمكنوا من استكمال اليوم الدراسي وقد أعطت المديرة الأم رينيه اجازة حتى صباح الاثنين بسبب الحالة الجوية والإضرار التي لحقت بالمدرسة العتيقة .
 حين اتصلت بمنزل عم عيد قام بالرد علي وأخبرني ان السيارة بها عطل ولن يتم إصلاحها قبل الغد وأنه كان على وشك الاتصال بي لأخبار عارف كي يحضر الفتيات . كنت في ورطة حقيقية إذ إن عارف يخاف القيادة في مثل هذه الاجواء . لم افكر طويلا فاسرعت إلى غرفتي واستبدلت ملابسي ، ثم أبلغت اخي عارف الذي اندهش حين راني مستعدة للخروج وقد عرض علي الذهاب بصحبتي لكنني رفضت وطلبت منه الاعتناء بسهيلة و مصطفى حتى أعود ، والا يخبر ابي او جدي حتى ابتعد عن المنزل . تعلمت القيادة منذ زمن ولكنني كنت اذهب إلى المدينة الأخرى وهي الأقرب إلينا لشراء احتياجاتي فلما لا اقود السيارة إلى المدينة الأبعد والتي تقع بها مدرسة البنات .
كنت اقود السيارة على مهل بسبب سوء الأحوال الجوية فالطرق تكون زلقة وخطرة أثناء هطول الأمطار  . وأخيرا وصلت إلى المدرسة قرابة الحادية عشرة ، كانت المدرسة بحالة يرثى لها و العمال يقومون بمحاولة يائسة لنزح مياه الأمطار التي تجمعت لتصنع من فناء المدرسة بركة كبيرة . حين هممت بالدخول أشار لي أحد العمال كي أدخل من الباب الآخر للمدرسة حيث وجدت ست طالبات مجتمعات ومن بينهن بناتي بصحبة ثلاث راهبات . دخلت إلى المدرسة وسلمت على الراهبات ، كانت الأم رينيه واحدة من الراهبات ، فسلمت علي بحرارة فقد كنت إحدى طالباتها في الماضي  كانت هي معلمتي ، وقد أخبرتني الأم ان مسكن الراهبات قد تضرر بشكل كبير وانهن لن يستطعن البقاء فيه حتى صباح الاثنين بعد ان يقوم مسؤولو الفرع الرئيسي ، وهو مدرسة مصطفى ، بعمل إصلاحات به . وصل اثنين من أولياء الأمور أحدهما أخذ ابنتيه وغادر على الفور بينما عرض الآخر استضافة إحدى الراهبات لديه في المنزل حتى صباح الاثنين وقد وافقت الأخت مادلين بعد موافقة الأم رينيه ، وذهبت مع الاستاذ مرقس وابنته . لم يعد بالمدرسة سوى بناتي والأم رينيه والأخت مجدولين فعرضت عليهما المجيء معي لقضاء العطلة بصحبتنا فحاولتا الاعتذار بخجل ، ولكنني اصررت على أن اصطحبهما معي إلى المنزل وبالفعل جاءتا معي .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق