الأحد، 4 ديسمبر 2016

الجزء الأول :
كان يوما شديد البرودة من أيام شهر ديسمبر الكئيبة ، ذلك الشهر الذي ينتهي فيه الخريف ليعلن الشتاء عن قدومه. كنت قد اسيقظت مبكرة على غير عادتي واعددت لنفسي كوبا من القهوة الساخنة ، ثم نزلت الى المكتبة بالدور الأرضي لاقرا كتابا إلى أن يستيقظ الباقيين . قلبي كان يحدثني بقدوم عاصفة شديدة و أمطار غزيرة ، كما كان يحدثني أيضا بقدوم غرباء .
[  ]اه .. نسيت أن اعرفكم على نفسي و بيتي وعلى أسرتي . اسمي حسناء عمري تسعة وثلاثون عاما ، أرملة و أم لثلاث بنات هم رقية أربعة عشر عاما و هند اثني عشر عاما و هديل تسع سنوات وطفل صغير وهو أصغر ابناءي ويدعى مصطفى، أعيش في منزل كبير وقديم بإحدى المدن البعيدة عن العاصمة ، كان جدي لأبي قد ورثه عن جده لأبيه . جدي يعيش معي هو و والدي وأخي عارف الذي يصغرني بستة أعوام واختي سهيلة التي تبلغ من العمر تسعة عشر عاما وهي ليست مقيمة معنا طوال الوقت فدراستها للآثار تحتم عليها البقاء في القاهرة طوال الشتاء وأحيانا في ايام الاجازة الصيفية حين يحتاجها استاذها ، استاذ التنقيب الشهير ، للعمل معه بأحد مواقع التنقيب عن الآثار ، أما بناتي الثلاث فكن في مدرسة داخلية فرنسية عتيقة بإحدى المدن القريبة منا حيث يقوم سائق عجوز بتوصيلهن إلى المنزل عصر كل خميس ثم يعيدهن صباح كل سبت إذ يغادرن المنزل بعد شروق الشمس مما يجعلني قلقة عليهن الى أن يتصلن بي بمجرد وصولهن للمدرسة ، خاصة وان منزلنا يقع على طريق شبه مهجور يصل بين مدينتين صغيرتين إحداهما التي بها مدرسة بناتي . أما مصطفى فهو ما يزال طفلا في الرابعة يذهب إلى حضانة تابعة لمدرسة فرنسية عتيقة بعاصمة المحافظة و لكن القسم الداخلي بها يبدأ من الصف الاول الإعدادي على اعتبارها مدرسة بنين لذلك يقوم اخي بتوصيله بسيارته يوميا حيث يعمل هناك كمحاسب بإحدى الهيئات الحكومية مما يجعل مواعيد ذهابه وانصرافه من العمل متوافقة مع مواعيد الصغير . كنا نقترب من اجازة الكريسماس مما يعني أن ابناءي سوف يقضون الاجازة في المنزل .. و يالها من اجازة !
[  ]كنت مستغرقة في التفكير فيما انتوي عمله من تجهيزات قبل عودة ابناءي من المدرسة اليوم ، فقد كان اليوم هو الخميس لذا لم أشعر بجدي وهو يدخل إلى الغرفة . فوجئت بمن يقول لي : "صباح الخير " . فالتفت واجبت : "صباح الخير يا جدي" . فرد قائلا : "ما الذي ايقظك اليوم مبكرا هكذا أنها مازالت الثالثة وانتي تستيقظين في الخامسة والنصف .. هل تعانين من الم أو صداع ما ؟" فرددت قائلة : "بل من التفكير يا جدي اعاني من التفكير" فقال : "امازلت خائفة من شقيق زوجك الراحل وتهديداته ؟" فقلت بحزن : "أظن ذلك" فسكت لبرهة ثم قال : "هيا يا ابنتي عودي الى نومك فمازال الوقت مبكرا جدا ، وحقك انت و اولادك سيعود . فقلت مبتسمة : "شكرا لك يا جدي ، و لكنني لا أشعر برغبة في النوم الآن ، اذهب انت لتستعد لقيام الليل كعادتك ، أما انا فسوف انتهي من شرب قهوتي و اذهب للمطبخ لإعداد بعض الفطاير و خبزها قبل أن تستيقظ فاطمة من نومها ، فأنا أود أن اريحها بعض الشيء فصحتها ليست على ما يرام هذه الأيام ." فقال جدي بأسى : " حقا يا ابنتي فهي لم تعد كذلك ، اتدرين كم عاما وهي في خدمتنا ؟ أربعون عاما منذ أن كانت في الرابعة عشرة من عمرها . سأتركك الان و اذهب للصلاة " .. "جدي ! لا تنسى أن تدعو لي" فتوقف و التفت لي قائلا : "بل كل الدعوات لك يا صغيرتي .. كلها لك انت" ابتسمت رغما عني وهززت راسي .
[  ]بعد أن غادر جدي قمت و توجهت إلى المطبخ كي احضر الفطاير دون احداث جلبة كي لا اوقظ فاطمة . وفاطمة هذه هي خادمتنا الأمينة التي دخلت المنزل حين كانت في الرابعة عشرة من عمرها و قد كانت فتاة يتيمة احضرها عمها لوالد جدي كي تعمل لديه و قد تولى الجد الأكبر رعايتها هو و جدي من بعده . و قد تزوجت فاطمة إلا انها لم تنجب فطلقها زوجها و قد ظلت منذ ذلك الحين في رعاية الأسرة و إلى الان . تعمل فاطمة قدر جهدها لإسعاد أسرتنا ، ولكنني اساعدها انا و هناء لأن صحتها لم تعد على ما يرام بحكم سنها .
[  ]وهناء هذه هي قريبة لنا من بعيد فقيرة ، في الخامسة والثلاثين من عمرها تعيش معنا لأن لا أحد من اخوتها يرضى بأن تعيش معه خاصة بعد استيلاءهم على ميراثها من ابيها و طردها من المنزل بعد وفاة امها .. هل يعقل هذا ؟ هل وصل حال الأشقاء إلى هذه الدرجة من الجحود ؟ تماما كما فعل شقيق زوجي حين استولى على ميراث أخيه و حرم أولاده منه وكل ما نحصل عليه هو معونة شهرية يلقي بها إلينا كل شهر ، و حين طالبته بحق أولادي ثار و هددني بقطع المعونة قائلا بأن زوجي قد تنازل له عن حقه في مقابل مبلغ من المال و يعلم الله أن هذا كله كذب و افتراء . لقد أوصاني زوجي على الاولاد و على حقهم في الميراث قبل وفاته و لكني فوضت أمري إلى الله .
[  ]كان عم الأولاد لا سامحه الله شخصا جشعا محب للمال ، كما كان مقامرا مدمنا للقمار ، كنت مشتتة الفكر لا ادري ما افعل لو انقطعت عني المعونة الشهرية . 

هناك تعليقان (2):

  1. الردود
    1. اشكرك محمد على هذا الإطراء .. واتمنى باقي الأجزاء تعجبك 😊

      حذف