الأحد، 4 ديسمبر 2016

أنا وعائلتي و الأميرة .. الجزء الثاني

الجزء الثاني :
كان عم الاولاد شخصا جشعا محبا للمال ، كما كان مقامرا مدمنا للقمار ، كنت مشتتة الفكر لا ادري ما افعل لو انقطعت عني المعونة الشهرية .
كما كنت واقعة بين نارين وهما أن تنقطع المعونة أو أن افرط في حق أولادي في ميراث ابيهم . ويعلم الله كم كان كلا الأمرين عسيرا علي . وقد قررت أن اترك الأمر بين يدي الله ولا اشغل بالي به . فنحن على الرغم من أن لنا ميراث لا بأس به من أرض زراعية و البيت الذي نعيش فيه و راتب اخي عارف و معاش زوجي رحمه الله إلا أن كل هذا بالكاد يكفي نفقاتنا انا و الاولاد و أبي وجدي وعارف وسهيلة إلى جانب فاطمة وهناء . مما اضطرني لزرع حديقة المنزل بالخضروات والفواكه التي اقوم ببيعها جملة من حين لآخر في المدينة القريبة منا لدى أحد التجار كمساعدة مع الايجار السنوي للأرض الزراعية التي يلح أخي على جدي وابي في بيعها و إقامة مشروع آخر يدر علينا دخلا أفضل ، ولكن جدي يرفض بشدة أما ابي فلا ناقة له ولا جمل وليس بيده من الأمر شيء أمام جدي . نسيت أن اعرفكم ب ابي ، انه الاستاذ عبد الحميد عارف علي العارف ، مدرس اللغة الفرنسية السابق والذي يكفيه معاشه من وزارة التربية والتعليم بالكاد للإنفاق على الأدوية باهظة الثمن الخاصة بمرضى القلب والضغط والسكر . ويساعدني والدي أطال الله بقاءه في المذاكرة لاولادي باللغة الفرنسية ، إذ أنني كنت خريجة مدرسة اللغة الفرنسية التي تتعلم فيها بناتي ، وقد حصلت على الثانوية العامة ثم تزوجت ولم اكمل دراستي ، بينما اكمل كل من عارف و سهيلة دراسته بمدارس حكومية بعد الصف الرابع بالنسبة لعارف والصف السادس بالنسبة لسهيلة ، وذلك بسبب فشلهما في امتحانات اللغة الفرنسية واضطرار والدي لنقلهما الى مدارس حكومية بدلا من إعادة السنة . ودايما ما يقول جدي مذكرا ايانا ومتندرا بما حدث قائلا : "الفالحة هي اللي قعدت في البيت والخايبين كملوا" .
كانت هناك ثمة رياح قد بدأت الأشجار تهتز معها بالخارج مما دعاني لإغلاق نافذة المطبخ التي بدأ زجاجها في التحرك والاهتزاز . كانت الساعة تقترب من الرابعة صباحا حينما سمعت صوت قطرات المطر تتساقط بانتظام على زجاج النافذة ، أسرعت خارجة من المطبخ كي اتمم على جميع النوافذ والأبواب للتأكد من إغلاقها بأحكام كنوع من الطمأنينة ، فلطالما كرهت المطر وكرهت صوت الرياح ، فقد ماتت أمي يوم ولادتها لسهيلة في يوم ممطر عاصف كهذا . لذلك حين يسوء الجو تروني اذهب لاتمم على المنزل واطمئن على كل من فيه . حين صعدت للدور الاعلى بدأت بغرفة ابي فرأيته مازال مستغرقا في النوم ، ثم دخلت الي غرفتي للاطمئنان على مصطفى . كان مايزال نائما كالملاك الصغير ، هذا لو كانت الملائكة في شقاوته ، ومنها إلى غرفة عارف الذي اعتقد انه كان مايزال نائما ، إذ إن عارف من النوع الذي لا تعرف له رأس من قدم أثناء نومه . ثم ذهبت للصالة الصغيرة الموجودة خارج الغرف تلك التي نجلس فيها حين نكون بالدور العلوي وداءيما ما نتناول فيها العشاء إلا حينما يكون لدينا ضيوف فإننا نتناول عشاءنا بغرفة الطعام الموجودة بجانب الصالة الكبيرة بالدور الأسفل . كان من عادة جدي أن يصلي بالصالة الصغيرة قيام الليل والفجر والعشاء . و صلاتي الظهر والعصر فكان يصليهما بالصالة الكبيرة ، أما صلاة المغرب فكان يؤديها بغرفة الضيوف الموجودة قرب باب المنزل . حين دخلت إلى الصالة الصغيرة وجدت جدي يصلي ، كان يقرأ التشهد تأكدت من أحكام إغلاق الشرفة الكبيرة ثم دخلت لغرفة بناتي الخالية ثم غرفة سهيلة للتأكد من أن كل شيء على ما يرام .
حين خرجت من غرفة سهيلة وجدت جدي يقف مبتسما بالقرب من المزهرية الأثرية الكبيرة الموجودة قرب باب غرفة سهيلة بجانب السلم المؤدي للاسفل . ابتسمت حين رأيته فبادرني قائلا وهو مازال يبتسم : "أما زلت تخشين أن تفقدي أحدنا في يوم شتاء ممطر كما حدث مع والدتك رقية رحمها الله ؟" ارتبكت وشيء ما الجم لساني فقمت بتغيير الموضوع قائلة : "هل انتهيت من أداء الصلاة ؟" فهز رأسه مبتسما أن نعم . فقلت : "ولكن ليس من عادتك أن تنتهي من صلاتك مبكرا قبل أذان الفجر" فقال : كنت استريح بين كل ركعتين ولكن بما انك مستيقظة فقد أنهيت صلواتي بسرعة دون استراحة حتى أستطيع الجلوس معك في هدوء قبل أن يصحو هؤلاء الغوغاء .. هيا بنا إلى المطبخ ماذا عن الفطاير إياك أن تكون قد احترقت" كان يشير لي بسبابته ضاحكا ومداعبا وهو يقول جملته الأخيرة .
نزلت مسرعة إلى المطبخ يتبعني جدي ووجدت فطائري لم تحترق لحسن الحظ . صنعت كوبين كبيرين من الشاي الساخن الذي يحلو احتساؤه في مثل هذا الجو وتناولنا الفطائر الساخنة انا وجدي . كان جدي هو الشخص الوحيد الذي يفهمني .. يحفظني عن ظهر قلب حتى لأكاد اقسم انه يعرف ما افكر به .
بادرني جدي بالسؤال قائلا : "ماذا تعدين لنا من طعام اليوم ؟" فرددت قائلة : "لقد اوصيت عم مرعي الصياد بإحضار بعض السمك و سوف اعد لكم الأصناف التي تحبونها" .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق