السبت، 24 ديسمبر 2016

أنا وعائلتي والأميرة .. الجزء العاشر

الجزء العاشر :
حين انتهيت من اداء صلاتي توجهت لغرفة جدي ، كنت مازلت خائفة مما حدث ولا أجد له تفسيرا . طرقت باب غرفة جدي ودخلت حين سمعت صوته يأتي من الداخل يأمرني بالدخول ، كان جدي صامتا ساهما وتبدو عليه علامات التفكير . نظر لي ثم أشار لي بالجلوس على المقعد المذهب القريب من الشرفة الصغيرة التي يحب الجلوس بها لولا سوء الجو والامطار ، بينما جلس هو على الآخر الذي يقابله . حين جلست نظر من خلال زجاج الشرفة إلى الخارج يتأمل الجو حيث كان المطر قد توقف في فترة ما بعد العصر إلا إن العواصف والرياح كانت ماتزال مستمرة فكنا نسمع صفيرها بوضوح من خلال الزجاج المغلق ، قال لي دون ان يحول عينيه عن النظر للخارج : "احك لي ما رأيت بالضبط ، واصدقيني القول" فقلت بارتباك : "لا عليك فما رأيته كان مجرد كابوس" فقال بلهجة باردة جادة اعرفها جيدا لا تكذبي علي فقد رأيته يخرج من وراء المرأة الكبيرة بالصالة الصغيرة منذ قليل وانا أغلق باب غرفتي بعد أن كنت عندك" . "ماذا" صحت فزعة ثم قلت "ماذا رأيت يا جدي" قال لي : "رأيت شيئا عملاقا له جسد رجل ضخم ورأس يشبه الغوريللا" صحت على الفور : "نفس الشيء الذي رأيته انا ايضا حين فتحت باب غرفتي ، ولكنني رأيت قبلها طفلا يناديني" أخبرت جدي بكل ما صار معي منذ أن افقت من نومي حتى لحظة ان وجدتهم جميعا بجانبي فقال لي : "هل فتشت الحقيبة التي كانت معها" فقلت : "لا طبعا لم افعل ولم يدر ببالي ان افعل ذلك" فقال لي بحدة : "بل كان عليك فعل ذلك ، من الواضح أن هذه البنت الحمقاء قد جلبت معها أحد حراس تلك المقبرة التي تحدثت عنها وربما جلبت علينا لعنة أيضا ، تلك الغبية .. تلك الغبية" قال جملته الاخيرة ورددها و قبضته تصطدم براحة يده الأخرى بعنف جعلني اخاف أن تتأذى إحدى يديه ، فقلت له : "هون عليك يا جدي وسنجد حلا" فقال : "اي حل هذا الذي تتكلمين عنه الا تدركين أن لدينا ضيوف و جل خوفي أن تلاحظ أحداهما شيئا أو أن يظهر ذلك الشيء لاحداهما ، لا اريد فضائح فهذه هي المرة الأولى التي تدخل فيها السيدتان إلى بيتي" وقفت وانا ساهمة حائرة لا ادري ما اقول ، فبادرني هو قائلا بعد العشاء أود الحديث معها امامكما انت وعبد الحميد يجب أن افهم كل شيء وان أضع حدا لكل ذلك الجنون ، فلو رأى أحد ما رأيناه خاصة من
الصغار فسوف تكون كارثة" فهززت راسي موافقة فقال لي : "هيا انزلي الان كي تشرفي على إعداد الطعام كي لا نتأخر على الضيوف .. هيا" نزلت وأنا أتلفت حولي وأدعو الله إلا اصادف هذا الشيء مرة اخرى .
حين نزلت إلى المطبخ كانت فاطمة وهناء قد شارفتا على الانتهاء من إعداد الطعام ، ولم يبقى تقريبا سوى إعداد المائدة بغرفة الطعام الرئيسية . كانت فاطمة صامتة لا تتحدث مثلها مثل هناء تماما . ارسلت هناء إلى الخارج بحجة إعداد و رص الأطباق على المائدة ، وما أن خرجت اقتربت من فاطمة في محاولة لارضاءها والاعتذار لها فقلت : "سامحيني يا خالتي فقد كانت اعصابي متوترة لذلك صحت بكم جميعا فقد كان الكابوس مخيفا" فنظرت الي وقالت : "ليس كابوسا يا حسناء لقد كان حقيقة" فتحت فمي عن اخره كالبلهاء لا ادري ما اقول أو ربما غير قادرة على الكلام . فأكملت قائلة : "لقد رأت هناء ما حدث لك .. رأته وهو يهاجمك عند باب الغرفة ورأت الباب وهو يغلق من تلقاء نفسه بعد أن سقطت أرضا فاقدة الوعي ولكنها اختبأت خلف المقعد الكبير عالي الظهر الموجود أمام غرفتك بجانب المراة ، و قد ظلت مختبئة إلى أن تجمعنا عند باب غرفتك نحاول كسر الباب ، لقد بكت المسكينة  ولم تكن قادرة على الكلام أو البوح بما رأته كي لا يتهمها أحد بالجنون خاصة بعدما أنكرت انت ولم تخبري احدا بما رأيت . وحين نزلت معي إلى المطبخ كانت ترتجف من هول ما رأت ولم تخبرني إلا حين الححت عليها . كنت ساهمة وكأن صوت فاطمة يأتي الي من مكان بعيد ، نظرت إليها نظرة خاوية ثم قلت : "لا اريد أن يشعر الضيوف بشيء مما يحدث حتى نجد حلا لهذه المشكلة" خبطت فاطمة بكف يدها على صدرها وقالت : "مشكلة ! بل قولي مصيبة ، إلا يكفينا المخزن وما يحويه ليظهروا لنا أيضا داخل البيت يا ويلي يا ويلنا جميعا" صحت فيها بصوت خافت : "خالة فاطمة يكفي هذا وحين تعود هناء سأتحدث معها".
حان موعد العشاء واجتمعنا جميعنا بالصالة الكبيرة لادعو الجميع إلى غرفة الطعام الرئيسية على اعتباري سيدة المنزل . وكعادتنا منذ وفاة امي رحمها الله ، كلما كان لدينا ضيوف اجلسني جدي في مقدمة المائدة بينما جلس هو في الطرف المقابل منها بينما جلست الأم رينيه عن يميني و إلى جوارها الأخت مجدولين ثم هند ثم هديل ، والى يساري جلست سهيلة ثم رقية ثم عارف ثم أبي إلى جانب جدي ، أما مصطفى فإنه يبقى مع هناء وفاطمة حين يكون لدينا ضيوف . على مائدة الطعام كنا جالسين في صمت لا يخلو أحيانا من كلمات مجاملة قليلة بيني وبين الضيفتين خاصة الأم رينيه فهي ذات معزة خاصة في قلبي منذ ايام المدرسة والدراسة عندما كانت في عمر الأخت مجدولين .

الجمعة، 16 ديسمبر 2016

الجزء التاسع

الجزء التاسع :
أجبت على الفور قائلة : "لم اشأ أن احملك فوق طاقتك فلو انك علمت أنني ذاهبة لإحضار البنات كنت ستصر على المجيء معي أو ارسال عارف بدلا مني ولو أن عارف قد ذهب لما قبل الضيوف بالمجيء معه" فقال جدي : "لم تكن فكرة دعوة الضيفتين لتأتي على باله من الأساس ، ذلك المعتوه الأحمق" . فابتسمت رغما عني فأنا أعلم ان جدي لا يثق بقدرة عارف على تحمل المسؤولية ودائما ما يقول : "كيف لهذا الأحمق أن يتزوج لقد وصل لسن الثالثة والثلاثين ولم ولن يتزوج" نظر لي جدي وقال : "الم أقل لك ان هذا الأحمق لن يتزوج ولن يتحمل مسؤولية ابدا" ثم سألني قائلا وعلى وجهه علامات الاستياء : "هيا أخبريني بسرعة ماذا قالت لك الحمقاء الأخرى ؟" أخبرت جدي بما صار مع سهيلة واحساسي أنها تخفي شيئا آخر ولكنني سأحاول معرفته فقال مستاءا مما سمع : "لقد سبق وقلت أن هذه البنت لا تصلح للعيش بعيدا عنا لكنك اصررت على ارسالها للقاهرة ، ماذا لو كانت قد دخلت إحدى الكليات بجامعة المحافظة كنا قد وفرنا على أنفسنا ما نحن فيه الآن من قلق ، ومن ادرانا أن هؤلاء التجار لن يتوصلوا لمكانها ولن يتركوها أو يتركونا وشأننا نحن أيضا ، انهم مهربي آثار يعني مجرمين يا عزيزتي ، ثم من إدراك انهم لم يقتلوا الرجل إلى الان ولن ينطلقوا للبحث عنها ليكون لها نفس المصير ، بعد العشاء وذهاب الضيفتان لغرفتهما أود الحديث معها أمامك انت و عبد الحميد" . هززت راسي علامة الموافقة و استأذنت جدي كي اصعد لارتاح قليلا بغرفتي فأذان المغرب لم يحن بعد . صعدت إلى غرفتي وأغلقت الباب من الداخل كي لا يزعجني مصطفى وسرعان ما نمت .
استيقظت من نومي فزعة في البداية لم ار شيئا بسبب الظلام اضأت المصباح الجانبي لأرى على الضوء الصادر منه طفل يقف عند حافة الفراش بجانب قدمي وينظر الي وقد ابتسم ابتسامة طفولية بريئة ثم ناداني بلغة غريبة قائلا : "امي" وللغرابة فهمت معنى ما يقول ، اعتدلت في الفراش و دققت النظر لكن الطفل كان قد اختفى . قفزت من الفراش على الفور واضأت نور الغرفة وتلفت حولي فلم أجد أحدا فتحت الباب الذي كنت قد اوصدته من الداخل لكنني وجدته مفتوحا . يا إلهي ماذا يحدث ؟ حين فتحت الباب خارجة كدت اصطدم بشيء أمامه فتوقفت بغتة وفتحت فمي غير مصدقة وغير قادرة على الصراخ .. لقد كان أمامي شيء ما يشبه الغوريللا ينظر الي بعينين حمراوين وقد فتح فمه عن آخره كأنما ليلتهمني .. أخيرا خرجت الصرخة من حلقي حمدا لله لقد ظننت أنني فقدت النطق إلى الأبد ، ثم لم أشعر بشيء بعدها .
حين افقت كان كل من في البيت بغرفتي حتى الضيفتان الأم رينيه والأخت مجدولين كانتا بغرفتي . أول من تحدث كان ابي الذي قال بلهفة : "حمدا لله على سلامتك يا ابنتي ماذا حدث ولماذا صرخت ؟ لقد اضطررت لكسر باب الغرفة انا وعارف ، وقد وجدناك واقعة بالقرب من الباب فما الذي حدث ؟ قلت في محاولة لطمأنة الجميع لا شيء لقد رأيت كابوسا ويبدو أنني حين قمت لإضاءة النور فقدت توازني وسقطت على الارض" فقال ابي : "عجبا لقد كان النور مضاءا" فقلت بنفاد صبر غير مبرر : "لا ادري يا ابي ربما اضأت النور ثم تعثرت لقد كنت مستيقظة لتوي فزعة وانتهى الامر" نظر ابي لي بشك وهز رأسه ولم يعلق . تلفت من حولي لأجد فاطمة تبكي و سهيلة تبكي وكذلك البنات و مصطفى بينما جدي ينظر لي ساهما دون كلمة . فصحت بتوتر مالكم تبكون هكذا و كأنكم في سرادق عزاء . نظرت إلي فاطمة بعتاب ثم خرجت من الغرفة وتبعتها هناء التي توقفت قليلا وكان وجهها شاحبا وتبدو عليه علامات الفزع أو هكذا خيل الي ثم أدارت ظهرها وخرجت من باب الغرفة . قام جدي من مكانه على المقعد المذهب بجانب الفراش وتقدم مني ثم قبل جبيني وقال لي : "أعصابك متوترة لا أكثر هيا افيقي فقد اقترب موعد أذان العشاء وانت لم تصلي المغرب بعد" ثم التفت إلى رينيه ومجدولين قائلا : "اسفون على ازعاجكم" . هزت السيدتان رأسيهما ثم ربتت الاخت مجدولين على كتفي وخرجت بينما اقتربت الأم رينيه مني وقالت لي قبل خروجها : "من الواضح انك تعانين ضغوطا عصبية بسبب مسؤولياتك الجسيمة كان الرب في عونك يا ابنتي" ثم خرجت من الغرفة وهي ترشم الصليب على صدرها . استدار جدي إلى عارف و سهيلة و الاولاد قائلا : "هيا فلا داعي لوقوفكم هنا انها بخير" كانت سهيلة آخر من يخرج من الغرفة بعد عارف و الاولاد فقلت بحزم : "سهيلة !" فتوقفت واستدارت تنظر لي بتوتر فقلت : "الا يوجد ما تودين قوله لي ؟" فخفضت رأسها فأسرع جدي يقول : "ليس هذا بالوقت المناسب يا حسناء"  فاستدارت وخرجت من الغرفة . حين خرج ابي من الغرفة بعد ان قبل راسي قال لي جدي : "ما الذي افزعك هكذا وجعلك تفقدين الوعي هل رأيت شيئا مما حكت لك عنه تلك الحمقاء سهيلة" هززت راسي أن نعم فقال بغضب : "إذا لقد جلبت لنا الشر والمصائب حتى عتبة دارنا تلك ال ..." قاطعته قائلة : "جدي لا داعي لأن نظلمها ربما اكون مجهدة ورأيت كابوسا حقا" فهز راسه وقال لي : "حسنا .. هيا استعدي لأداء الصلاة وسانتظرك بغرفتي" 

الجمعة، 9 ديسمبر 2016

انا وعائلتي والأميرة .. الجزء الثامن

الجزء الثامن :
كان طفلا في حوالي الرابعة تقريبا في نفس عمر مصطفى ، كان ينظر الي ببراءة ثم فجأة أدار رقبته فرأيت آثار طعنة نافذة في الجهة اليسرى كان الدم ينزف من الجرح ببطء كما لو كان مشهدا سينمائيا تم تصويره بحركة ال slow motion ، ثم فجأة تغيرت ملامح الطفل لتصبح هي نفسها لذلك الكائن صاحب التمثال الصغير الذي يشبه الغوريللا . صرخت صرخة مدوية ثم افقت لاكتشف انه كان مجرد كابوس مخيف ، نظرت في ساعتي لاجدها مازالت الثانية والنصف .. شيء غريب لقد نمت في الثانية والنصف فكيف نمت و حلمت وافقت لاجدها مازالت الثانية والنصف ؟ حاولت العودة للنوم لكنني كنت خائفة وظللت مستيقظة حتى الصباح لقد كنت أشعر أن ثمة شخص أو أشخاص معي بالغرفة . في اليوم التالي كنت حائرة  فاتصلت باستاذي فاخبرني خادمه العجوز انه سافر ولا أحد يعرف إلى أين ، ازدادت حيرتي أكثر وحاولت الاتصال به لكنني وجدت الهاتف مغلق . ظللت على ذلك الحال من الخوف وعدم النوم مما يظهر لي من كوابيس وايضا من القلق على استاذي ، كنت كما التائهة وخفت من التهديدات التي أخبرني عنها استاذي والتي تخيلت للحظات أنها قد تطولني أنا أيضا خاصة وان أحد هؤلاء التجار قد بدأ في السؤال عني بالكلية كما اخبرني أحد زملائي في نفس اليوم لذلك قمت دون أدنى تردد أو تفكير بكتابة طلب لشؤون الطلبة بالكلية للاعتذار عن حضور امتحانات هذا العام بحجة رعاية أبناء شقيقتي المريضة . نظرت إليها بدهشة واستغراب ولكنني لم اشأ ان اقاطعها ، وظللت استمع إليها باهتمام . "وماذا لو تم رفض الطلب ؟" قلتها بشيء من الصرامة فقالت : "لا يهمني المهم انجو بنفسي وأخرج من هذا الكابوس المخيف" . صمتت للحظات وكأنها تستعيد ما حدث ثم قالت : "ظللت هكذا حتى جاءتني مكالمة هاتفية من رقم أرضي مجهول حين أجبت على الهاتف كان المتحدث هو البروفيسور ، فرحت كثيرا لسماع صوته لكنني وجدته يقول لي بسرعة : "سهيلة غادري مسكنك حالا انت في خطر واغلقي هاتفك بعد هذه المكالمة حتى لا يتتبعوا مكانك" . كنت فزعة مما سمعت ، فقمت بإغلاق الهاتف على الفور أخذت الحقيبة الجلدية ووضعت فوق محتوياتها ما استطعت أخذه من اغراضي وخرجت من باب المطبخ الخلفي بمسكن الطالبات واستقيلت تاكسيا إلى المحطة كانت الساعة حوالي الواحدة صباحا أو تجاوزتها فاضررت لركوب سيارة أجرة من المحطة اوصلتني إلى عاصمة المحافظة ومنها استقليت سيارة أجرة خاصة بعد أن ايقظت السائق الذي كان محتميا بسيارته من المطر ، وبعد أن رجوته وافق على ان يقوم بتوصيلي إلى المدينة القريبة من منزلنا وتعلل بالمطر وأن الطريق إلى بيتنا مهجور و موحش وهو لن يخاطر في مثل هذا الجو ، و لم أجد أي وسيلة توصلني إلى هنا في مثل هذا الجو لذلك قررت المجيء سيرا على قدمي في هذه الأمطار والعواصف . ولكن طوال الطريق كنت أشعر أن هناك ثمة من يتبعني مما زادني رعبا فكنت أتوقف لانظر ورائي فلا أجد أحدا فكنت أجري وقد تعثرت عدة مرات وكدت أسقط على وجهي إلى أن وصلت إلى المنزل وقد بدأت اهز السلسلة الحديدية للبوابة كي يسمعني أحدكم حتى فتحت البوابة بعد فترة قصيرة ، فحمدت الله وانهرت لكنكم حملتموني إلى الداخل كنت أشعر بكم لكنني لم أكن قادرة على الكلام ثم ذهبت في ثبات عميق بمجرد وضعي في الفراش" . ثم تلفتت حولها وقالت بلهفة ورعب : "ولكن أين الحقيبة ؟" طمأنتها قائلة : "الحقيبة في خزانة ملابسك لقد وضعتها لك هناء بها ، اطمئني" . تنفست الصعداء ، فقلت لها : "عليك ان تستعدي للنزول في موعد العشاء فلدينا ضيوف لو كنت تعلمين" فقالت : "ومن أين لي أن أعلم بهذا . من هم ؟" فقلت : "حسنا نسيت انك لم تكوني معنا تقريبا ولذلك لم تعرفي بما لحق بالمدرسة من أضرار و قد دعوت الأم رينيه والأخت مجدولين للإقامة لدينا حتى يعود الجميع للمدرسة صباح الاثنين بعد إصلاح سكن الراهبات والطالبات" ثم توجهت لباب الغرفة وقلت وأنا اخرج منها استعدي وحاولي النزول في الموعد أو قبله بقليل ، أو انزلي الآن للجلوس مع عارف والاولاد فهم موجودون بالأسفل على ما أظن هيا فالجميع يودون الاطمئنان عليك خاصة ابوك وجدك" . حين نزلت كان لدي شعور بأن سهيلة تخفي عني شيئا ، شيئا تخاف أن تحكيه لي أو حتى لنفسها . حين وصلت للسلم خيل الى ان ثمة شيء او شخص قد تحرك بالصالة الصغيرة ، تلفت لاستطلع الامر فلم أجد شيئا فنزلت إلى الأسفل حيث قابلني جدي قرب غرفة الضيوف القريبة من باب البيت كنت ذاهبة اليه كي استشيره فيما سمعته فوجدته بانتظاري . بادرني قائلا وعلى وجهه ملامح الجدية : "هاه ماذا قالت لك الفالحة واي مصيبة جلبتها لنا معها هيا اطربيني" . نظرت إليه ثم أخذته إلى غرفة الاستقبال ، وحمدت الله أن ابي لم يكن بالغرفة ، فقال لي جدي : "انه بغرفة المكتبة ذهب ليعبث في كتبه كعادته كلما كان قلقا ثم غلبه النعاس على الاريكة هناك ، لكم احسده على استطاعته النوم في مثل هذه الظروف" نظرت إليه وابتسمت فبادرني قائلا : "كيف غادرت البيت وحدك لتحضري البنات وكيف لم تخبريني ؟

انا وعائلتي والأميرة الجزء السابع

الجزء السابع :
و سأظل هنا ولن أعود للقاهرة سوى في العام الدراسي القادم لنقل أوراقي الى احدى الكليات هنا بالمحافظة ولن اترك بيتي مرة أخرى . نظرت إليها بدهشة غير مصدقة هل هذه هي سهيلة الطموحة لا أكاد أصدق . سألتها بخوف و قلق : "وما الذي حدث لكل هذا؟' فنظرت الي طويلا ثم اجهشت بالبكاء ومن وسط بكاءها و دموعها قالت : "انا خائفة يا حسناء أكاد اموت رعبا" قلت بجزع : "وما الذي يخيف إلى هذا الحد ، أخبريني ، انت هنا بين اهلك وفي حمايتهم كيف تتخيلين أن نتخلى عنك أو نتركك .. هيا افتحي قلبك لي يا حبيبتي"
اجلستها على سريرها وجلست إلى جانبها ونظرت إليها احثها على الحديث فاطمانت وبدات في سرد حكايتها .
"كما تعلمين فقد تفوقت في العام قبل الماضي وحققت نجاحا متميزا ، وقتها اختارني استاذي الدكتور ماجد عبد الرؤوف استاذ علم المصريات للعمل معه في أحد مواقع التنقيب ذلك الموقع الذي جعلني اؤجل زياراتي إليكم وان اقضي العام الدراسي بالكامل تقريبا وجزءا من اجازتي الصيفية في العمل به مع استاذي .. وقد حققنا نجاحا بعد ان اكتشفنا مخطوطة نادرة تعتبر ارشادا لاكتشاف مقبرة إحدى الاميرات التي كانت زوجة لأحد الأمراء والذي كان سيصبح وريثا لعرش والده ولكن تأمر عليه اخوه الاصغر وقتله بمساعدة عدد من كهنة المعبد ثم قاموا بقتل ابنها الذي كان من المفترض أن يصبح ولي العهد أمام عينيهاثم قتلها هي ايضا و قد دفنهما ابوها بمقبرة سرية ، وقد اكتشفنا نحن مكان المقبرة التي سعى الكثيرين لكشف مكانها ، كانت المخطوطة التي ارشدت لمكان المقبرة تشير إلى أن هناك ثمة لعنة ألقاها رءيس الكهنة ، والذي كان هو نفسه والد الاميرة ، على كل من تأمر على القتل .. وتقول المخطوطة أن الروح ستطارد قاتليها و كذلك كل من يحاول العبث بالمقبرة وازعاج الاميرة وابنها الصغير وأن من يحاول فتح المقبرة سيصاب باللعنة ولن تنفك هذه اللعنة إلا على يد امرأة ذات روح محبة طيبة وقلب كبير . ومنذ أن حللنا رموز و طلاسم المخطوطة ونحن ننقب في المكان الذي أشارت اليه . حتى كان الشهر قبل الماضي حين اتصل بالبروفيسور مجموعة من تجار و سماسرة الآثار كانوا ستة من الأجانب وثلاثة من مهربي الآثار المصريين الكبار ، وقد حاولوا الاتفاق مع البروفيسور على ان يبيعهم محتويات المقبرة بمبلغ خرافي على ان يعلن هو عن اكتشافها خالية من اية كنوز سوى مومياء الاميرة وابنها وان يعلن أنه اكتشف المقبرة وقد نهبها لصوص المقابر في عصور سابقة . رفض الروفيسور بشدة ولم تفلح معه أساليب الإغراء ولا التهديد ، وذات يوم عاد إلى منزله ليجده مقلوبا رأسا على عقب ، إذ يبدو أن أحدهم كان يبحث عن شيء ما لكنه لم يهتدي لضالته . وكان البروفيسور قد قرر قبل ذلك بعدة ايام الاحتفاظ بأوراقه المهمة معي في بيت الطالبات حيث اقيم ، فقد كان متوقعا حدوث هذا . وقد   اتصل بي البروفيسور في حوالي العاشرة الا الربع مساء يوم الاحد وطلب مني ضرورة مقابلته في شارع هاديء يقع خلف بيت الطالبات بعد نصف ساعة والا أخبر أحدا ، وبالفعل ذهبت إلى هناك بعد محاولات مضنية للخروج دون أن يشعر بي أحد بمساعدة احدى العاملات بالمطبخ بعد ان اعطيتها مبلغا من المال مقابل الخروج من باب المطبخ الخلفي واخبرتني انها ستتركه مفتوحا حتى عودتي . حين وصلت للشارع الهاديء المظلم كان البروفيسور ينتظرني أمام أحد المنازل وبمجرد وصولي اليه أعطاني بسرعة حقيبة جلدية سوداء كبيرة وطلب مني أن احتفظ بها مع ما لدي من أوراق وان بها المخطوطة والخريطة التي ترشد عن أماكن الكنوز الهامة بالمقبرة وان أهم ما اكتشفه هناك موجود بالحقيبة ، ثم طلب مني الانصراف على الفور . حين عدت لبيت الطالبات دخلت غرفتي وأغلقت الباب جيدا إذ إن زميلتي بالغرفة كانت في اجازة لدى أهلها ولن تعود قبل الغد . فتحت الحقيبة فوجدت بها حقيبة بلاستيكية من النوع الذي توضع به الملابس عند شراءها لأول مرة ، وكانت الحقيبة تحوي صندوق هدايا كبير احمر اللون على شكل قلب . حين فتحت الصندوق وجدت تمثالين صغيرين في حجم كف اليد احدهما لطفل صغير والآخر لسيدة شابة وتمثال آخر في حجم اصبع السبابة لشيء يشبه الغوريللا  وعقد مصنوع من احجار كريمة تتدلى منه قلادة ذهبية مكتوب عليها : "أيها المتسلل إلى قبري انتظر الموت عقابا لك"،  انقبض قلبي حين قرات المكتوب على القلادة . حين دققت النظر في التماثيل وجدت التمثال الصغير قد كتب على ظهره : "انا هنا لحمايتهم والويل للدخلاء والمتطفلين" . وحين نظرت في الساعة اندهشت إذ كانت الساعة قد تجاوزت الثانية بقليل على الرغم من دخولي غرفتي في حوالي العاشرة والنصف هل من المعقول أن اكون قد استغرقت كل هذا الوقت في تفقد ما في الحقيبة .. ربما . في الصندوق وجدت خطابا من البروفيسور يقول فيه : "حافظي على هذه الأشياء الثمينة ولا تخافي " . استعددت للنوم واطفات الأنوار وذهبت في نوم عميق على الفور . لا ادري كم من الوقت قد مر علي وانا نائمة لكنني استيقظت وانا أكاد اختنق ، وفجأة وجدته أمامي .. 

الأربعاء، 7 ديسمبر 2016

الجزء السادس :
لقد بدأ اليوم بداية غريبة ولا تدعو للتفاؤل ، فليرحمنا الله ويلطف بنا . أثناء انشغالي بإعداد الطعام لاحظت أن الخالة فاطمة كانت طوال الوقت صامتة ولا تتحدث كعادتها معي .. أما عن هناء فهي فتاة طيبة صامتة طوال الوقت وقليلة الكلام الى حد انك لو تركتها لعشرة أيام كاملة دون أن تبادرها بحديث لما تكلمت . كانت هناء تعمل أمام الفرن مع الخالة لتساعدها فلم تحاول الخالة العبث معها في الحديث أو ممازحتها كما تفعل كل يوم . قلقت على الخالة فتحدثت إليها كي اعرف ما وراءها فقلت : "خالتي هل انتي متعبة اليوم ما بالك لا تتكلمين ؟" نظرت الخالة الي طويلا ثم قالت وهي ساهمة : "اعتني بسهيلة .. فإنها واقعة بورطة كبيرة .. اتذكرين الحلم الذي رأيته وقمت منه فزعة قبل الفجر؟" قلت : "نعم اذكره" قالت : "لقد كان يخص سهيلة ، لكنني لم اتخيل أن يتحقق الحلم بهذه السرعة" فقلت : "ماذا رأيت يا خالة ؟" قالت : "رأيت أشخاصا لا اعرفهم .. رجال .. يطاردونها وكانت تجري و تلهث في طريق مظلم .. اعتني باختك يا ابنتي واعرفي منها ما الأمر فقد تكون بمازق كبير" قلت : "حاضر سأتحدث معها حينما تستيقظ من نومها". في تلك اللحظة ناداني جدي فخرجت لاستطلاع الأمر فقال لي : "هيا معي لنحضر بعض الحمام من البرج لذبحه فمرعي الصياد لن يحضر السمك اليوم فما من صياد يستطيع النزول إلى البحر أو حتى النهر اليوم .. هيا" كانت الساعة قد تجاوزت الثامنة إلا إن السماء كانت ملبدة بالغيوم والشمس لم تشرق بعد و الأمطار مازالت تهطل بغزارة. كان المشهد غريبا خارج المنزل فقد امتلأت أحواض الزرع بالماء و كانت الأرض الطينية زلقة للغاية مما اضطرني لاسناد جدي أثناء سيرنا الي البرج الذي يقع بالحديقة الخلفية للمنزل . لم يخرج الحمام من البرج هذا الصباح لسوء الجو .. انتقينا خمسة عشر زوجا من الحمام و اخذناهم إلى داخل المنزل تمهيدا لذبحهم وتنظيفهم ثم حشوهم بمساعدة هناء والخالة فاطمة إذ من عادة جدي جلب ما يزيد على عددنا من الحمام تحسبا للظروف . حين دخلت طلبت من هناء الخروج للحديقة الخلفية وانتقاء كرنبة كبيرة وبعض الخضروات تمهيدا لاعدادها من أجل وليمة اليوم .. كان علي ان اتصرف من الخضروات والحبوب الموجودة لدي لأنه ما من أحد سوف يجلب لي شيئا من المدينة اليوم في مثل هذا الجو الماطر .
كانت الساعة قد قاربت على التاسعة والنصف حين رن جرس الهاتف الارضي الموجود بالصالة الكبيرة وسمعت جدي يناديني حين خرجت من المطبخ لاستطلاع الأمر كانت مشرفة مدرسة البنات الأخت مادلين على الهاتف ، وقد ابلغتني بسرعة من يحضر للمدرسة لأخذ البنات حيث ان المدرسة قد تضررت كثيرا بفعل الأمطار الغزيرة ولن يتمكنوا من استكمال اليوم الدراسي وقد أعطت المديرة الأم رينيه اجازة حتى صباح الاثنين بسبب الحالة الجوية والإضرار التي لحقت بالمدرسة العتيقة .
 حين اتصلت بمنزل عم عيد قام بالرد علي وأخبرني ان السيارة بها عطل ولن يتم إصلاحها قبل الغد وأنه كان على وشك الاتصال بي لأخبار عارف كي يحضر الفتيات . كنت في ورطة حقيقية إذ إن عارف يخاف القيادة في مثل هذه الاجواء . لم افكر طويلا فاسرعت إلى غرفتي واستبدلت ملابسي ، ثم أبلغت اخي عارف الذي اندهش حين راني مستعدة للخروج وقد عرض علي الذهاب بصحبتي لكنني رفضت وطلبت منه الاعتناء بسهيلة و مصطفى حتى أعود ، والا يخبر ابي او جدي حتى ابتعد عن المنزل . تعلمت القيادة منذ زمن ولكنني كنت اذهب إلى المدينة الأخرى وهي الأقرب إلينا لشراء احتياجاتي فلما لا اقود السيارة إلى المدينة الأبعد والتي تقع بها مدرسة البنات .
كنت اقود السيارة على مهل بسبب سوء الأحوال الجوية فالطرق تكون زلقة وخطرة أثناء هطول الأمطار  . وأخيرا وصلت إلى المدرسة قرابة الحادية عشرة ، كانت المدرسة بحالة يرثى لها و العمال يقومون بمحاولة يائسة لنزح مياه الأمطار التي تجمعت لتصنع من فناء المدرسة بركة كبيرة . حين هممت بالدخول أشار لي أحد العمال كي أدخل من الباب الآخر للمدرسة حيث وجدت ست طالبات مجتمعات ومن بينهن بناتي بصحبة ثلاث راهبات . دخلت إلى المدرسة وسلمت على الراهبات ، كانت الأم رينيه واحدة من الراهبات ، فسلمت علي بحرارة فقد كنت إحدى طالباتها في الماضي  كانت هي معلمتي ، وقد أخبرتني الأم ان مسكن الراهبات قد تضرر بشكل كبير وانهن لن يستطعن البقاء فيه حتى صباح الاثنين بعد ان يقوم مسؤولو الفرع الرئيسي ، وهو مدرسة مصطفى ، بعمل إصلاحات به . وصل اثنين من أولياء الأمور أحدهما أخذ ابنتيه وغادر على الفور بينما عرض الآخر استضافة إحدى الراهبات لديه في المنزل حتى صباح الاثنين وقد وافقت الأخت مادلين بعد موافقة الأم رينيه ، وذهبت مع الاستاذ مرقس وابنته . لم يعد بالمدرسة سوى بناتي والأم رينيه والأخت مجدولين فعرضت عليهما المجيء معي لقضاء العطلة بصحبتنا فحاولتا الاعتذار بخجل ، ولكنني اصررت على أن اصطحبهما معي إلى المنزل وبالفعل جاءتا معي .

الاثنين، 5 ديسمبر 2016

انا وعائلتي و الاميرة .. الجزء الخامس

الجزء الخامس :
تابع الجزء الرابع :
وما أن دخلنا من باب المنزل إلى الداخل حتى دوى صوت الرعد ولمع البرق في السماء . وعلى ضوء البرق لمحت البوابة الخارجية للمنزل تهتز و كأن أحدا يحاول فتحها أو تنبيهنا لوجوده بالخارج من خلال صلصلة السلسلة الحديدية الضخمة التي تغلق الباب مع القفل الكبير والتي ضاع صوتها في الرعد  الأمطار . فتوقفت لأرى من بالباب ، بينما حثتني كل من فاطمة وهناء على الدخول وإغلاق الباب لكنني اصررت على أن أرى من بالخارج . أصرت كل من هناء وفاطمة على اصطحابي وبالفعل ذهبنا إلى البوابة والرعب يدب في اوصالنا .. ترى من القادم في تلك الساعة إلينا ؟
بصوت حاولت أن يبدو متماسكا قويا إلى أقصى حد ممكن قلت من بالباب فأتاني صوت ضعيف واهن يقول : "حسناء افتحي أنا سهيلة" .. "سهيلة ! في هذه الساعة !" قلت ذلك هامسة لنفسي ثم بصوت عال صحت : "مرحبا حبيبتي سافتح لك البوابة حالا" . من عادتي أن احتفظ بسلسلة المفاتيح كلها في جيبي ، المنزل والبوابة الكبيرة والمخزن حتى أنني أملك نسخة من مفتاح كل غرفة بالمنزل . لذا أخرجت المفاتيح من جيبي وفتحت البوابة . كانت المنظر مهولا .. كانت ملابس سهيلة تغرقها الأمطار وكأنها قد خرجت بملابسها لت ها من النهر .. كان شعر المسكينة مبتلا وملتصقا بوجهها وكانت تلهث كما لو كانت قد قطعت مسافة طويلة ركضا ، كما كانت تستند بيديها إلى الباب ولا تستطيع الوقوف . لحقنا بها وامسكناها قبل ان تسقط أرضا وادخلناها إلى الداخل وعاونتها فاطمة وهناء على الوقوف حتى أغلقت البوابة كما كانت ، و ذهبنا جميعا إلى الداخل .
صعدنا السلم للأعلى وأسرع كل من ابي وجدي إلينا ليستطلعا أمر الجلبة الصادرة بالخارج . حين خرجا من الغرفة وقفا متسمران مشدوهان من هول المنظر و
 المفاجأة . أسرع ابي إلينا وهو يهتف بجزع : "ماذا حدث لابنتي وما الذي دعاها للمجيء في تلك الساعة وهذا الجو ماذا حدث ؟" قلت له: "لا ادري لم نعرف بعد سندخلها إلى غرفتها لنغير ملابسها ونستطلع الأمر .. لا تقلق" . وبالفعل ادخلنا سهيلة إلى الغرفة وقمنا بتغيير ملابسها و ابدالها . كانت في حالة يرثى لها . بعد قليل لم أدر إلا بهناء تدخل إلى الغرفة وفي يدها حقيبة جلدية سوداء كبيرة الحجم من النوع الذي يضع فيه المسافر متعلقاته ويحملها بكتفه . نظرت لهناء مستطلعة فقالت موضحة : "كانت على الأرض خارج البوابة فحملتها بيدي أثناء معاونتنا لها وادخالها لكنني تركتها عند البوابة
من الداخل ثم نزلت الان لاحضرها  بعد أن تركتك انتي وخالتي فاطمة لتغيران ملابسها " . فقلت متنهدة : "حسنا ضعيها في خزانة الملابس وانزلي إلى المطبخ ولا تنسي أن تخبري ابي وجدي أن يدخلا للاطمئنان عليها ان ارادا" . "حاضر" قالتها وهي متوجهة لباب الغرفة . كانت المسكينة قد نامت من الإجهاد بمجرد تغيير ملابسها واضح انها عانت كثيرا ومن الواضح أيضا إنها لم تنم أو ترتاح لفترة طويلة . كانت علامات الإرهاق تبدو على ملامحها .
بعد قليل فتح ابي الباب ودخل إلى الغرفة بصحبة جدي وعارف الذي استيقظ هو الآخر . نظروا إليها بقلق يشوبه الحزن ، ثم بادرني جدي بالسؤال : "ما الذي حدث ؟" فقلت : "لم اعرف بعد فقد نامت المسكينة بمجرد ان ابدلنا ملابسها ، فلنتركها تستريح الآن و نسألها فيما بعد" . خرج جدي من الغرفة يتبعه ابي ولكن عارف توقف وقال لي بقلق : "هل انت متأكدة أنها ليست بحاجة إلى طبيب" . فقلت حائرة : "لا ادري ولكن فلندعها لتنام الآن و ساشعل لها المدفاة فإن ذلك سيفيدها كثيرا .. هيا بنا" خرجت أنا و عارف وفاطمة ، التي كنت قد نسيتها ، من الغرفة بعد أن اطفات النور وأغلقت الباب . ونزلت أنا  فاطمة إلى المطبخ لنعد الطعام و نخبز الخبز وبعض الفطير المشلتت ، فإن سهيلة تحبه كثيرا . كنت متأكدة أن سهيلة ستكون بخير وان هناك ما يقلقها ويخيفها أكثر مما يؤلمها او يمرضها .

الأحد، 4 ديسمبر 2016

أنا و عائلتي و الأميرة. . الجزء الأول

الجزء الأول :
كان يوما شديد البرودة من أيام شهر ديسمبر الكئيبة ، ذلك الشهر الذي ينتهي فيه الخريف ليعلن الشتاء عن قدومه. كنت قد اسيقظت مبكرة على غير عادتي واعددت لنفسي كوبا من القهوة الساخنة ، ثم نزلت الى المكتبة بالدور الأرضي لاقرا كتابا إلى أن يستيقظ الباقيين . قلبي كان يحدثني بقدوم عاصفة شديدة و أمطار غزيرة ، كما كان يحدثني أيضا بقدوم غرباء .
[  ]اه .. نسيت أن اعرفكم على نفسي و بيتي وعلى أسرتي . اسمي حسناء عمري تسعة وثلاثون عاما ، أرملة و أم لثلاث بنات هم رقية أربعة عشر عاما و هند اثني عشر عاما و هديل تسع سنوات وطفل صغير وهو أصغر ابناءي ويدعى مصطفى، أعيش في منزل كبير وقديم بإحدى المدن البعيدة عن العاصمة ، كان جدي لأبي قد ورثه عن جده لأبيه . جدي يعيش معي هو و والدي وأخي عارف الذي يصغرني بستة أعوام واختي سهيلة التي تبلغ من العمر تسعة عشر عاما وهي ليست مقيمة معنا طوال الوقت فدراستها للآثار تحتم عليها البقاء في القاهرة طوال الشتاء وأحيانا في ايام الاجازة الصيفية حين يحتاجها استاذها ، استاذ التنقيب الشهير ، للعمل معه بأحد مواقع التنقيب عن الآثار ، أما بناتي الثلاث فكن في مدرسة داخلية فرنسية عتيقة بإحدى المدن القريبة منا حيث يقوم سائق عجوز بتوصيلهن إلى المنزل عصر كل خميس ثم يعيدهن صباح كل سبت إذ يغادرن المنزل بعد شروق الشمس مما يجعلني قلقة عليهن الى أن يتصلن بي بمجرد وصولهن للمدرسة ، خاصة وان منزلنا يقع على طريق شبه مهجور يصل بين مدينتين صغيرتين إحداهما التي بها مدرسة بناتي . أما مصطفى فهو ما يزال طفلا في الرابعة يذهب إلى حضانة تابعة لمدرسة فرنسية عتيقة بعاصمة المحافظة و لكن القسم الداخلي بها يبدأ من الصف الاول الإعدادي على اعتبارها مدرسة بنين لذلك يقوم اخي بتوصيله بسيارته يوميا حيث يعمل هناك كمحاسب بإحدى الهيئات الحكومية مما يجعل مواعيد ذهابه وانصرافه من العمل متوافقة مع مواعيد الصغير . كنا نقترب من اجازة الكريسماس مما يعني أن ابناءي سوف يقضون الاجازة في المنزل .. و يالها من اجازة !
[  ]كنت مستغرقة في التفكير فيما انتوي عمله من تجهيزات قبل عودة ابناءي من المدرسة اليوم ، فقد كان اليوم هو الخميس لذا لم أشعر بجدي وهو يدخل إلى الغرفة . فوجئت بمن يقول لي : "صباح الخير " . فالتفت واجبت : "صباح الخير يا جدي" . فرد قائلا : "ما الذي ايقظك اليوم مبكرا هكذا أنها مازالت الثالثة وانتي تستيقظين في الخامسة والنصف .. هل تعانين من الم أو صداع ما ؟" فرددت قائلة : "بل من التفكير يا جدي اعاني من التفكير" فقال : "امازلت خائفة من شقيق زوجك الراحل وتهديداته ؟" فقلت بحزن : "أظن ذلك" فسكت لبرهة ثم قال : "هيا يا ابنتي عودي الى نومك فمازال الوقت مبكرا جدا ، وحقك انت و اولادك سيعود . فقلت مبتسمة : "شكرا لك يا جدي ، و لكنني لا أشعر برغبة في النوم الآن ، اذهب انت لتستعد لقيام الليل كعادتك ، أما انا فسوف انتهي من شرب قهوتي و اذهب للمطبخ لإعداد بعض الفطاير و خبزها قبل أن تستيقظ فاطمة من نومها ، فأنا أود أن اريحها بعض الشيء فصحتها ليست على ما يرام هذه الأيام ." فقال جدي بأسى : " حقا يا ابنتي فهي لم تعد كذلك ، اتدرين كم عاما وهي في خدمتنا ؟ أربعون عاما منذ أن كانت في الرابعة عشرة من عمرها . سأتركك الان و اذهب للصلاة " .. "جدي ! لا تنسى أن تدعو لي" فتوقف و التفت لي قائلا : "بل كل الدعوات لك يا صغيرتي .. كلها لك انت" ابتسمت رغما عني وهززت راسي .
[  ]بعد أن غادر جدي قمت و توجهت إلى المطبخ كي احضر الفطاير دون احداث جلبة كي لا اوقظ فاطمة . وفاطمة هذه هي خادمتنا الأمينة التي دخلت المنزل حين كانت في الرابعة عشرة من عمرها و قد كانت فتاة يتيمة احضرها عمها لوالد جدي كي تعمل لديه و قد تولى الجد الأكبر رعايتها هو و جدي من بعده . و قد تزوجت فاطمة إلا انها لم تنجب فطلقها زوجها و قد ظلت منذ ذلك الحين في رعاية الأسرة و إلى الان . تعمل فاطمة قدر جهدها لإسعاد أسرتنا ، ولكنني اساعدها انا و هناء لأن صحتها لم تعد على ما يرام بحكم سنها .
[  ]وهناء هذه هي قريبة لنا من بعيد فقيرة ، في الخامسة والثلاثين من عمرها تعيش معنا لأن لا أحد من اخوتها يرضى بأن تعيش معه خاصة بعد استيلاءهم على ميراثها من ابيها و طردها من المنزل بعد وفاة امها .. هل يعقل هذا ؟ هل وصل حال الأشقاء إلى هذه الدرجة من الجحود ؟ تماما كما فعل شقيق زوجي حين استولى على ميراث أخيه و حرم أولاده منه وكل ما نحصل عليه هو معونة شهرية يلقي بها إلينا كل شهر ، و حين طالبته بحق أولادي ثار و هددني بقطع المعونة قائلا بأن زوجي قد تنازل له عن حقه في مقابل مبلغ من المال و يعلم الله أن هذا كله كذب و افتراء . لقد أوصاني زوجي على الاولاد و على حقهم في الميراث قبل وفاته و لكني فوضت أمري إلى الله .
[  ]كان عم الأولاد لا سامحه الله شخصا جشعا محب للمال ، كما كان مقامرا مدمنا للقمار ، كنت مشتتة الفكر لا ادري ما افعل لو انقطعت عني المعونة الشهرية . 
الجزء الثالث :
فرد جدي وقد جرى لعابه : ولا تنسي الأرز الاحمر " فقلت ضاحكة : "امرك يا جدي" .. من صغري وأنا و جدي قريبين من بعضنا البعض ، حتى منذ ايام الدراسة أو بالتحديد منذ أن مرضت جدتي بمرض الزمها الفراش لسنوات طويلة. كنت حينها في التاسعة من عمري فقد أصر جدي على توصيلي للمدرسة يوميا بصحبة عم عيد السائق وهو نفس السائق الذي يقوم بتوصيل بناتي لنفس المدرسة ، ولكن الفارق الوحيد بيني وبينهن أنهن بالقسم الداخلي بناء على رغبتي . "كنتي تخافين عليهن أن يكون لهن نفس مصيرك فيجبرن على ترك المدرسة والخطبة ثم الزواج كما حدث معك" ادرت راسي له مندهشة .. ألم أقل لكم اقسم انه يقرأ افكاري . "لقد تغير الزمن يا جدي .. فها هي سهيلة تذهب للجامعة بالقاهرة وتبقى هناك معظم ايام السنة ، فكيف اخاف على بناتي من عدم إكمال الدراسة" . فقال : "كان من الممكن أن يكون لها نفس مصيرك لولا اصرارك على ان تكمل دراستها بالقاهرة" . فقلت محاولة تغيير الموضوع : "لقد انتهينا من تلك الأمور منذ زمن يا جدي .. قلت لك ان الزمن قد تغير" . فقال بحزن : "بل أنا الذي كنت مخطئا بحقك يا عزيزتي . لقد خفت عليك أكثر من اللازم وقد ظننت أن زواجك من رؤوف الذي يكبرك بسبعة عشر عاما سيكون في مصلحتك خاصة وأنه وعائلته من أغنى أغنياء المحافظة" ثم سكت مطرقا لبرهة ثم قال : "لم أكن أعلم ان المرض سيجعله في العام الأخير بعد انجابه للذكر الذي طالما حلم به سيجعله يسلم كل شيء لشقيقه  سعيد ، ذلك اللص ، ثم يموت و ابنه لم يكمل عامه الثاني بعد .. نعم اعترف أنني كنت مخطئا ولكن حبي لك وخوفي عليك هو ما دفعني لذلك .. ليتني تركتك تكملين دراستك ، كان قد اصبح لك شان كبير اليوم وعمل يدر عليك دخلا يغنيك انت و اولادك عن انتظار المعونة من اللئام . سامحيني يا ابنتي " . اغرورقت عيناي بالدموع وقمت من مكاني واحتضنت رأسه بين ذراعي وهو جالس وقلت له محاولة ادعاء المرح : "احبك يا جدي ، من قال انك لم تفعل معي الصواب .. لولا ما فعلته لما كنت تحملت مسؤولية الأسرة بعد امي رحمها الله فقد توفيت وانا في العشرين من عمري بعد ولادة سهيلة من كان سيرعى سهيلة وعارف الذي كان مايزال في المرحلة الثانوية وبحاجة للرعاية .. انسيت انها كانت مريضة بمرض في القلب وقد حذر الأطباء من خطورة الإنجاب على حياتها ولكنها سلمت أمرها إلى الله حين حملت دون قصد وقد حذر الطبيب من أن الإجهاض سيكون له ذات النتائج مثل الولادة تماما . ثم من كان سيرعاك انت وابي خاصة بعد رفض ابي الزواج مرة أخرى ، كما أن جدتي كانت قد توفيت قبل امي بسنوات وما من نساء في الأسرة غيري لرعايتكم فعماتي إحداهن بالقاهرة و الاخرتين بالإمارات وجميعهن متزوجات ولهن عائلات . لقد أشار القدر باصبعه نحوي لكي أحمل مسؤليتكم ، وقد أدركت ذلك منذ زمن بعيد لذلك اصررت على العيش معكم انا و رؤوف بعد الزواج وقد وافق رحمه الله ولم يعترض مقدرا الظروف ، وقد كان كريما معي جدا حين تزوجته وانا في الثانية والعشرين ووافق على تأجيل الإنجاب لعامين آخرين برغم كبر سنه ، حتى يكبر شقيقاي ويشتد عودهما" . لم أدر إلا بمن يقول : "ما شاء الله هانتما تقلبان في الماضي مرة أخرى كعادتكما كلما جلستما معا" . كان هذا هو صوت ابي فرددت ضاحكة : "صباح الخير يا ابي". فقال ضاحكا : "صباح الخير يا حبيبتي . أراهن أن المطر والعاصفة هما ما جعلانك تستيقظين مبكرة قبل موعدك . لقد شعرت بك وانت تطمئنين علي ولكنني سمعتك انت وجدك تتكلمان أثناء نزولكما للاسفل فقررت أن اترككما تنعمان بحديث الذكريات المعتاد". ثم التفت لجدي وقال : "صباح الخير يا ابي" .. فرد جدي ضاحكا : "صباح الخير أيها العجوز المخرف" فضحك ابي ضحكة مجلجلة ثم قال : "واضح انك في مزاج طيب اليوم ، الحمد لله" . ثم جاء صوت فاطمة من خلفنا قائلة : "صباح الخير عليكم جميعا" فرددت عليها : "صباح الخير يا خالة ما الذي ايقظك لقد أردتك أن ترتاحي اليوم قليلا" . فردت : "اعزك الله وأنعم عليك بالصحة والعافية يا ابنتي .. ولكن كيف لي أن اتركك وحدك دون مساعدة .. هيا هيا اذهبي لإيقاظ عارف و مصطفى فلدينا اليوم عمل كثير " .
فقلت لها : "مازال الوقت مبكرا يا خالة فهما يستيقظان في السادسة إلا الثلث ونحن في الرابعة و الثلث". فقالت بدهشة : "إذا فاذان الفجر لم يحن بعد فما الذي ايقظك مبكرا هكذا لقد ظننت أنها الخامسة والنصف". فقلت : "لا شيء قلقت فحسب ولم أستطع النوم مرة أخرى فنزلت لتحضير بعض الاشياء" . فقالت معذرة يا بنيتي فأنا كما تعلمين لا أعرف في الساعة". فضحكت وقلت : "لا عليك يا خالة ، ولكن ما الذي ايقظك انت مبكرة قبل موعدك فأنت تستيقظين مع أذان الفجر" فقالت وقد تغيرت ملامح وجهها قليلا لا ادري يا ابنتي فقد رأيت حلما افزعني فقمت واستعذت بالله ، وحين سمعت اصواتكم جئت إليكم ، هيا لنرى ما سنعده من إفطار للجماعة". فقلت قلقة : "وماذا رأيت يا خالة". قالت : "لا عليك فهي مجرد هلوسة ، هيا لنصنع بعض العصيدة بالسكر و سأقوم بتجهيز العجين

أنا وعائلتي الأميرة .. الجزء الرابع

الجزء الرابع :
سأقوم بتجهيز العجين من أجل الخبز ، فلم يعد لدينا سوى ما يكفي للفطور " . فقلت : لقد نفذ الدقيق سأذهب للمخزن خارج المنزل لاجلب بعض الدقيق وكذلك بعض السمن والخزين" . فاستعاذت بالله متمتمة وقالت : "لا بل انتظري حتى تشرق الشمس أو على الأقل إلى أن يؤذن الفجر ، فالمخزن يسكنه بسم الله الرحمن الرحيم ، ولا يجب أن نزعجهم" فضحكت قائلة "أما زلت تؤمنين بذلك الهراء يا خالة" فقالت وعلى وجهها إمارات رعب اسكتي يا ابنتي والا سمعوك وقد يؤذونك لا قدر الله" فرد والدي بصوت يحمل رنة غضب "ما هذا الذي تقولين أيتها العجوز الخرفة" . فقالت : "سامحك الله يا سيدي ولكنني سبق و رأيتهم أكثر من مرة بالقرب من المخزن منهم من يخرج منه ومنهم من يدخل ويعلم الله أنني لا اكذب" فقال جدي غاضبا : "عبد الحميد ! لا تجادل فاطمة ولا تكذبها فقد رأتهم والدتك من قبل وكذلك جدك الكبير مولانا العارف بالله فلا تجادل فيما لا تعلم" فقال ابي مرغما : "حسنا يا ابي ولكني لا أريدها أن تتفوه بمثل هذا الكلام أمام الاولاد الصغار خاصة مصطفى حتى لا يخافوا" . وذهب كل من ابي و جدي للدور الأعلى انتظارا للفجر بينما بقيت انا وفاطمة بالمطبخ لنعد الإفطار واحاول ترتيب ما سأقوم به من أعمال خلال النهار حتى عودة الجميع من الخارج ومنهم بناتي . سرحت لبعض الوقت الى ان افقت على صوت مدو هز كياني لقد كان صوت الرعد . نظرت من النافذة لاجد البرق يلمع في السماء والامطار على اشدها . لا ادري لما انقبض قلبي حين رايت ذلك المشهد . في السادسة إلا الثلث كنت اوقظ عارف الذي رغم كل شيء ما ان انادي عليه يهب مستيقظا ليبدأ الاستعداد لرحلته اليومية إلى عاصمة المحافظة بصحبة ابني مصطفى . كنت مترددة في ايقاظه ولكنني فعلت ثم توجهت إلى غرفتي لإيقاظ مصطفى الذي وجدته مستيقظا لكنه مختبيء تحت الاغطية وعلى وجهه رعب يبدو أنه من صوت الرعد والرياح التي كانت تزمجر بغضب شديد لم اعهده إلا يوم وفاة امي . تحدثت إليه مبتسمة : "صباح الخير يا حبيبي هل استيقظت وحدك" فبادرني قائلا : "ماماه انا خايف لا اريد الذهاب إلى المدرسة اليوم ، لا اريد الخروج من البيت" لم اعارضه اليوم فقد كان المطر مخيفا والطريق من بيتنا إلى المحافظة بعيد وخطر ولا أمن على ابني وأخي من القيادة في مثل هذا الجو المرعب . حين خرج عارف من الحمام قال لي : "حسناء .. لن اذهب إلى العمل اليوم فالجو سيء حقا و قد لا أتمكن من القيادة مع كل هذه الامطار والعواصف". لا اخفي عليكم فقد تنفست الصعداء حين قرر اخي عدم الذهاب إلى العمل وبالتالي لن اكون قلقة عليه هو وابني .. إلا أنني سأظل قلقة حتى تعود الفتيات من المدرسة ظهر اليوم ، فاليوم الدراسي ينتهي لديهن في الثانية والنصف ويكون عم عيد السائق في انتظارهن ثم يعدن إلى البيت في الثالثة او بعدها بقليل. أتمنى لهن السلامة . قلت لعارف : "وماذا ستقول لرئيستك في العمل ؟" رد : "ساتصل بها في السابعة والنصف لاخبرها أن السيارة معطلة والامطار شديدة اليوم ولن أستطيع المجيء" . فقلت : "ولما الكذب أخبرها أن الأمطار ستمنعك من الذهاب فحسب فالسيارة غير معطلة" فابتسم قائلا : "يالك من رومانسية تعيشين في عالمك الخاص" ثم تركني  ذهب قبل ان أزيد بكلمة ، ثم قال لي وهو ذاهب لغرفة : "سوف انام قليلا ثم أيقظني في السابعة والنصف لاتصل بالمديرة" . ثم دخل غرفته وأغلق الباب . أما قردي الصغير فقد خرج من غرفته وقال لي : "ماماه الن تنامي فاليوم اجازة ؟" فقلت ضاحكة : "اليوم اجازة لك أنت وخالك وحدكما ، أما انا فساكمل عملي اليومي هيا ادخل لتنام أو لتجلس مع جدك و بابا" فقال : "بل سانام مع عارف لأنني خائف" فقلت له : "حسنا هيا ادخل" . كان ابي وجدي يجلسان في غرفة الأخير، كنت اسمع صوت حديثهما يصل إلى اسماعي غير واضح الكلمات ، فغرفة جدي تقع في نهاية الردهة الطويلة التي تبدأ من الصالة الصغيرة وحين يكون الباب مفتوحا فإن جدي يستطيع الرؤية حتى بداية السلم المؤدي للدور الأسفل . ذهبت إلى الغرفة كي اسألهما أن كانا يريدان أن احضر لهما الفطور ، فاعتذرا بأنهما قد تناولا بعض الفطائر ولا يشعران بالجوع الآن . نزلت للدور الأسفل وقررت الذهاب للخارج لإحضار الدقيق والخزين فاصرت فاطمة على الذهاب معي هي وهناء التي استيقظت منذ قليل . أحضرت كل منا مظلتها وعربة اليد الصغيرة ذات العجلتين التي نحمل بها الخزين منو إلى المخزن وخرجنا . ياله من جو لا أستطيع وصفه فكلمة سيء قليلة جدا على مثل هذا الجو فالشمس لم تكن قد أشرقت بعد والظلام حالك إلا من مصباح كهربي أمام باب المنزل الخارجي وآخر أمام المخزن . تحركنا خارجين على ضوء المصباحين الكبيرين حتى وصلنا للمخزن ، كان المفتاح معي ففتحت  الباب الكبير الذي يصدر صوت صرير مزعج ودخلنا إلى المخزن واحضرنا ما أردنا في العربة و خرجنا مسرعين  أغلقت الباب وعدنا ادراجنا في هذه العواصف والامطار . المسافة من البيت إلى المخزن لا تستغرق الدقيقتين إلا إن الدقيقتين بدتا لنا وكأنهما دهرا ، 

أنا و عائلتي و الأميرة .. الجزء الثالث

الجزء الثالث :
فرد جدي وقد جرى لعابه : ولا تنسي الأرز الاحمر " فقلت ضاحكة : "امرك يا جدي" .. من صغري وأنا و جدي قريبين من بعضنا البعض ، حتى منذ ايام الدراسة أو بالتحديد منذ أن مرضت جدتي بمرض الزمها الفراش لسنوات طويلة. كنت حينها في التاسعة من عمري فقد أصر جدي على توصيلي للمدرسة يوميا بصحبة عم عيد السائق وهو نفس السائق الذي يقوم بتوصيل بناتي لنفس المدرسة ، ولكن الفارق الوحيد بيني وبينهن أنهن بالقسم الداخلي بناء على رغبتي . "كنتي تخافين عليهن أن يكون لهن نفس مصيرك فيجبرن على ترك المدرسة والخطبة ثم الزواج كما حدث معك" ادرت راسي له مندهشة .. ألم أقل لكم اقسم انه يقرأ افكاري . "لقد تغير الزمن يا جدي .. فها هي سهيلة تذهب للجامعة بالقاهرة وتبقى هناك معظم ايام السنة ، فكيف اخاف على بناتي من عدم إكمال الدراسة" . فقال : "كان من الممكن أن يكون لها نفس مصيرك لولا اصرارك على ان تكمل دراستها بالقاهرة" . فقلت محاولة تغيير الموضوع : "لقد انتهينا من تلك الأمور منذ زمن يا جدي .. قلت لك ان الزمن قد تغير" . فقال بحزن : "بل أنا الذي كنت مخطئا بحقك يا عزيزتي . لقد خفت عليك أكثر من اللازم وقد ظننت أن زواجك من رؤوف الذي يكبرك بسبعة عشر عاما سيكون في مصلحتك خاصة وأنه وعائلته من أغنى أغنياء المحافظة" ثم سكت مطرقا لبرهة ثم قال : "لم أكن أعلم ان المرض سيجعله في العام الأخير بعد انجابه للذكر الذي طالما حلم به سيجعله يسلم كل شيء لشقيقه  سعيد ، ذلك اللص ، ثم يموت و ابنه لم يكمل عامه الثاني بعد .. نعم اعترف أنني كنت مخطئا ولكن حبي لك وخوفي عليك هو ما دفعني لذلك .. ليتني تركتك تكملين دراستك ، كان قد اصبح لك شان كبير اليوم وعمل يدر عليك دخلا يغنيك انت و اولادك عن انتظار المعونة من اللئام . سامحيني يا ابنتي " . اغرورقت عيناي بالدموع وقمت من مكاني واحتضنت رأسه بين ذراعي وهو جالس وقلت له محاولة ادعاء المرح : "احبك يا جدي ، من قال انك لم تفعل معي الصواب .. لولا ما فعلته لما كنت تحملت مسؤولية الأسرة بعد امي رحمها الله فقد توفيت وانا في العشرين من عمري بعد ولادة سهيلة من كان سيرعى سهيلة وعارف الذي كان مايزال في المرحلة الثانوية وبحاجة للرعاية .. انسيت انها كانت مريضة بمرض في القلب وقد حذر الأطباء من خطورة الإنجاب على حياتها ولكنها سلمت أمرها إلى الله حين حملت دون قصد وقد حذر الطبيب من أن الإجهاض سيكون له ذات النتائج مثل الولادة تماما . ثم من كان سيرعاك انت وابي خاصة بعد رفض ابي الزواج مرة أخرى ، كما أن جدتي كانت قد توفيت قبل امي بسنوات وما من نساء في الأسرة غيري لرعايتكم فعماتي إحداهن بالقاهرة و الاخرتين بالإمارات وجميعهن متزوجات ولهن عائلات . لقد أشار القدر باصبعه نحوي لكي أحمل مسؤليتكم ، وقد أدركت ذلك منذ زمن بعيد لذلك اصررت على العيش معكم انا و رؤوف بعد الزواج وقد وافق رحمه الله ولم يعترض مقدرا الظروف ، وقد كان كريما معي جدا حين تزوجته وانا في الثانية والعشرين ووافق على تأجيل الإنجاب لعامين آخرين برغم كبر سنه ، حتى يكبر شقيقاي ويشتد عودهما" . لم أدر إلا بمن يقول : "ما شاء الله هانتما تقلبان في الماضي مرة أخرى كعادتكما كلما جلستما معا" . كان هذا هو صوت ابي فرددت ضاحكة : "صباح الخير يا ابي". فقال ضاحكا : "صباح الخير يا حبيبتي . أراهن أن المطر والعاصفة هما ما جعلانك تستيقظين مبكرة قبل موعدك . لقد شعرت بك وانت تطمئنين علي ولكنني سمعتك انت وجدك تتكلمان أثناء نزولكما للاسفل فقررت أن اترككما تنعمان بحديث الذكريات المعتاد". ثم التفت لجدي وقال : "صباح الخير يا ابي" .. فرد جدي ضاحكا : "صباح الخير أيها العجوز المخرف" فضحك ابي ضحكة مجلجلة ثم قال : "واضح انك في مزاج طيب اليوم ، الحمد لله" . ثم جاء صوت فاطمة من خلفنا قائلة : "صباح الخير عليكم جميعا" فرددت عليها : "صباح الخير يا خالة ما الذي ايقظك لقد أردتك أن ترتاحي اليوم قليلا" . فردت : "اعزك الله وأنعم عليك بالصحة والعافية يا ابنتي .. ولكن كيف لي أن اتركك وحدك دون مساعدة .. هيا هيا اذهبي لإيقاظ عارف و مصطفى فلدينا اليوم عمل كثير " .
فقلت لها : "مازال الوقت مبكرا يا خالة فهما يستيقظان في السادسة إلا الثلث ونحن في الرابعة و الثلث". فقالت بدهشة : "إذا فاذان الفجر لم يحن بعد فما الذي ايقظك مبكرا هكذا لقد ظننت أنها الخامسة والنصف". فقلت : "لا شيء قلقت فحسب ولم أستطع النوم مرة أخرى فنزلت لتحضير بعض الاشياء" . فقالت معذرة يا بنيتي فأنا كما تعلمين لا أعرف في الساعة". فضحكت وقلت : "لا عليك يا خالة ، ولكن ما الذي ايقظك انت مبكرة قبل موعدك فأنت تستيقظين مع أذان الفجر" فقالت وقد تغيرت ملامح وجهها قليلا لا ادري يا ابنتي فقد رأيت حلما افزعني فقمت واستعذت بالله ، وحين سمعت اصواتكم جئت إليكم ، هيا لنرى ما سنعده من إفطار للجماعة". فقلت قلقة : "وماذا رأيت يا خالة". قالت : "لا عليك فهي مجرد هلوسة ، هيا لنصنع بعض العصيدة بالسكر و سأقوم بتجهيز العجين

أنا وعائلتي و الأميرة .. الجزء الثاني

الجزء الثاني :
كان عم الاولاد شخصا جشعا محبا للمال ، كما كان مقامرا مدمنا للقمار ، كنت مشتتة الفكر لا ادري ما افعل لو انقطعت عني المعونة الشهرية .
كما كنت واقعة بين نارين وهما أن تنقطع المعونة أو أن افرط في حق أولادي في ميراث ابيهم . ويعلم الله كم كان كلا الأمرين عسيرا علي . وقد قررت أن اترك الأمر بين يدي الله ولا اشغل بالي به . فنحن على الرغم من أن لنا ميراث لا بأس به من أرض زراعية و البيت الذي نعيش فيه و راتب اخي عارف و معاش زوجي رحمه الله إلا أن كل هذا بالكاد يكفي نفقاتنا انا و الاولاد و أبي وجدي وعارف وسهيلة إلى جانب فاطمة وهناء . مما اضطرني لزرع حديقة المنزل بالخضروات والفواكه التي اقوم ببيعها جملة من حين لآخر في المدينة القريبة منا لدى أحد التجار كمساعدة مع الايجار السنوي للأرض الزراعية التي يلح أخي على جدي وابي في بيعها و إقامة مشروع آخر يدر علينا دخلا أفضل ، ولكن جدي يرفض بشدة أما ابي فلا ناقة له ولا جمل وليس بيده من الأمر شيء أمام جدي . نسيت أن اعرفكم ب ابي ، انه الاستاذ عبد الحميد عارف علي العارف ، مدرس اللغة الفرنسية السابق والذي يكفيه معاشه من وزارة التربية والتعليم بالكاد للإنفاق على الأدوية باهظة الثمن الخاصة بمرضى القلب والضغط والسكر . ويساعدني والدي أطال الله بقاءه في المذاكرة لاولادي باللغة الفرنسية ، إذ أنني كنت خريجة مدرسة اللغة الفرنسية التي تتعلم فيها بناتي ، وقد حصلت على الثانوية العامة ثم تزوجت ولم اكمل دراستي ، بينما اكمل كل من عارف و سهيلة دراسته بمدارس حكومية بعد الصف الرابع بالنسبة لعارف والصف السادس بالنسبة لسهيلة ، وذلك بسبب فشلهما في امتحانات اللغة الفرنسية واضطرار والدي لنقلهما الى مدارس حكومية بدلا من إعادة السنة . ودايما ما يقول جدي مذكرا ايانا ومتندرا بما حدث قائلا : "الفالحة هي اللي قعدت في البيت والخايبين كملوا" .
كانت هناك ثمة رياح قد بدأت الأشجار تهتز معها بالخارج مما دعاني لإغلاق نافذة المطبخ التي بدأ زجاجها في التحرك والاهتزاز . كانت الساعة تقترب من الرابعة صباحا حينما سمعت صوت قطرات المطر تتساقط بانتظام على زجاج النافذة ، أسرعت خارجة من المطبخ كي اتمم على جميع النوافذ والأبواب للتأكد من إغلاقها بأحكام كنوع من الطمأنينة ، فلطالما كرهت المطر وكرهت صوت الرياح ، فقد ماتت أمي يوم ولادتها لسهيلة في يوم ممطر عاصف كهذا . لذلك حين يسوء الجو تروني اذهب لاتمم على المنزل واطمئن على كل من فيه . حين صعدت للدور الاعلى بدأت بغرفة ابي فرأيته مازال مستغرقا في النوم ، ثم دخلت الي غرفتي للاطمئنان على مصطفى . كان مايزال نائما كالملاك الصغير ، هذا لو كانت الملائكة في شقاوته ، ومنها إلى غرفة عارف الذي اعتقد انه كان مايزال نائما ، إذ إن عارف من النوع الذي لا تعرف له رأس من قدم أثناء نومه . ثم ذهبت للصالة الصغيرة الموجودة خارج الغرف تلك التي نجلس فيها حين نكون بالدور العلوي وداءيما ما نتناول فيها العشاء إلا حينما يكون لدينا ضيوف فإننا نتناول عشاءنا بغرفة الطعام الموجودة بجانب الصالة الكبيرة بالدور الأسفل . كان من عادة جدي أن يصلي بالصالة الصغيرة قيام الليل والفجر والعشاء . و صلاتي الظهر والعصر فكان يصليهما بالصالة الكبيرة ، أما صلاة المغرب فكان يؤديها بغرفة الضيوف الموجودة قرب باب المنزل . حين دخلت إلى الصالة الصغيرة وجدت جدي يصلي ، كان يقرأ التشهد تأكدت من أحكام إغلاق الشرفة الكبيرة ثم دخلت لغرفة بناتي الخالية ثم غرفة سهيلة للتأكد من أن كل شيء على ما يرام .
حين خرجت من غرفة سهيلة وجدت جدي يقف مبتسما بالقرب من المزهرية الأثرية الكبيرة الموجودة قرب باب غرفة سهيلة بجانب السلم المؤدي للاسفل . ابتسمت حين رأيته فبادرني قائلا وهو مازال يبتسم : "أما زلت تخشين أن تفقدي أحدنا في يوم شتاء ممطر كما حدث مع والدتك رقية رحمها الله ؟" ارتبكت وشيء ما الجم لساني فقمت بتغيير الموضوع قائلة : "هل انتهيت من أداء الصلاة ؟" فهز رأسه مبتسما أن نعم . فقلت : "ولكن ليس من عادتك أن تنتهي من صلاتك مبكرا قبل أذان الفجر" فقال : كنت استريح بين كل ركعتين ولكن بما انك مستيقظة فقد أنهيت صلواتي بسرعة دون استراحة حتى أستطيع الجلوس معك في هدوء قبل أن يصحو هؤلاء الغوغاء .. هيا بنا إلى المطبخ ماذا عن الفطاير إياك أن تكون قد احترقت" كان يشير لي بسبابته ضاحكا ومداعبا وهو يقول جملته الأخيرة .
نزلت مسرعة إلى المطبخ يتبعني جدي ووجدت فطائري لم تحترق لحسن الحظ . صنعت كوبين كبيرين من الشاي الساخن الذي يحلو احتساؤه في مثل هذا الجو وتناولنا الفطائر الساخنة انا وجدي . كان جدي هو الشخص الوحيد الذي يفهمني .. يحفظني عن ظهر قلب حتى لأكاد اقسم انه يعرف ما افكر به .
بادرني جدي بالسؤال قائلا : "ماذا تعدين لنا من طعام اليوم ؟" فرددت قائلة : "لقد اوصيت عم مرعي الصياد بإحضار بعض السمك و سوف اعد لكم الأصناف التي تحبونها" .

الجزء الأول :
كان يوما شديد البرودة من أيام شهر ديسمبر الكئيبة ، ذلك الشهر الذي ينتهي فيه الخريف ليعلن الشتاء عن قدومه. كنت قد اسيقظت مبكرة على غير عادتي واعددت لنفسي كوبا من القهوة الساخنة ، ثم نزلت الى المكتبة بالدور الأرضي لاقرا كتابا إلى أن يستيقظ الباقيين . قلبي كان يحدثني بقدوم عاصفة شديدة و أمطار غزيرة ، كما كان يحدثني أيضا بقدوم غرباء .
[  ]اه .. نسيت أن اعرفكم على نفسي و بيتي وعلى أسرتي . اسمي حسناء عمري تسعة وثلاثون عاما ، أرملة و أم لثلاث بنات هم رقية أربعة عشر عاما و هند اثني عشر عاما و هديل تسع سنوات وطفل صغير وهو أصغر ابناءي ويدعى مصطفى، أعيش في منزل كبير وقديم بإحدى المدن البعيدة عن العاصمة ، كان جدي لأبي قد ورثه عن جده لأبيه . جدي يعيش معي هو و والدي وأخي عارف الذي يصغرني بستة أعوام واختي سهيلة التي تبلغ من العمر تسعة عشر عاما وهي ليست مقيمة معنا طوال الوقت فدراستها للآثار تحتم عليها البقاء في القاهرة طوال الشتاء وأحيانا في ايام الاجازة الصيفية حين يحتاجها استاذها ، استاذ التنقيب الشهير ، للعمل معه بأحد مواقع التنقيب عن الآثار ، أما بناتي الثلاث فكن في مدرسة داخلية فرنسية عتيقة بإحدى المدن القريبة منا حيث يقوم سائق عجوز بتوصيلهن إلى المنزل عصر كل خميس ثم يعيدهن صباح كل سبت إذ يغادرن المنزل بعد شروق الشمس مما يجعلني قلقة عليهن الى أن يتصلن بي بمجرد وصولهن للمدرسة ، خاصة وان منزلنا يقع على طريق شبه مهجور يصل بين مدينتين صغيرتين إحداهما التي بها مدرسة بناتي . أما مصطفى فهو ما يزال طفلا في الرابعة يذهب إلى حضانة تابعة لمدرسة فرنسية عتيقة بعاصمة المحافظة و لكن القسم الداخلي بها يبدأ من الصف الاول الإعدادي على اعتبارها مدرسة بنين لذلك يقوم اخي بتوصيله بسيارته يوميا حيث يعمل هناك كمحاسب بإحدى الهيئات الحكومية مما يجعل مواعيد ذهابه وانصرافه من العمل متوافقة مع مواعيد الصغير . كنا نقترب من اجازة الكريسماس مما يعني أن ابناءي سوف يقضون الاجازة في المنزل .. و يالها من اجازة !
[  ]كنت مستغرقة في التفكير فيما انتوي عمله من تجهيزات قبل عودة ابناءي من المدرسة اليوم ، فقد كان اليوم هو الخميس لذا لم أشعر بجدي وهو يدخل إلى الغرفة . فوجئت بمن يقول لي : "صباح الخير " . فالتفت واجبت : "صباح الخير يا جدي" . فرد قائلا : "ما الذي ايقظك اليوم مبكرا هكذا أنها مازالت الثالثة وانتي تستيقظين في الخامسة والنصف .. هل تعانين من الم أو صداع ما ؟" فرددت قائلة : "بل من التفكير يا جدي اعاني من التفكير" فقال : "امازلت خائفة من شقيق زوجك الراحل وتهديداته ؟" فقلت بحزن : "أظن ذلك" فسكت لبرهة ثم قال : "هيا يا ابنتي عودي الى نومك فمازال الوقت مبكرا جدا ، وحقك انت و اولادك سيعود . فقلت مبتسمة : "شكرا لك يا جدي ، و لكنني لا أشعر برغبة في النوم الآن ، اذهب انت لتستعد لقيام الليل كعادتك ، أما انا فسوف انتهي من شرب قهوتي و اذهب للمطبخ لإعداد بعض الفطاير و خبزها قبل أن تستيقظ فاطمة من نومها ، فأنا أود أن اريحها بعض الشيء فصحتها ليست على ما يرام هذه الأيام ." فقال جدي بأسى : " حقا يا ابنتي فهي لم تعد كذلك ، اتدرين كم عاما وهي في خدمتنا ؟ أربعون عاما منذ أن كانت في الرابعة عشرة من عمرها . سأتركك الان و اذهب للصلاة " .. "جدي ! لا تنسى أن تدعو لي" فتوقف و التفت لي قائلا : "بل كل الدعوات لك يا صغيرتي .. كلها لك انت" ابتسمت رغما عني وهززت راسي .
[  ]بعد أن غادر جدي قمت و توجهت إلى المطبخ كي احضر الفطاير دون احداث جلبة كي لا اوقظ فاطمة . وفاطمة هذه هي خادمتنا الأمينة التي دخلت المنزل حين كانت في الرابعة عشرة من عمرها و قد كانت فتاة يتيمة احضرها عمها لوالد جدي كي تعمل لديه و قد تولى الجد الأكبر رعايتها هو و جدي من بعده . و قد تزوجت فاطمة إلا انها لم تنجب فطلقها زوجها و قد ظلت منذ ذلك الحين في رعاية الأسرة و إلى الان . تعمل فاطمة قدر جهدها لإسعاد أسرتنا ، ولكنني اساعدها انا و هناء لأن صحتها لم تعد على ما يرام بحكم سنها .
[  ]وهناء هذه هي قريبة لنا من بعيد فقيرة ، في الخامسة والثلاثين من عمرها تعيش معنا لأن لا أحد من اخوتها يرضى بأن تعيش معه خاصة بعد استيلاءهم على ميراثها من ابيها و طردها من المنزل بعد وفاة امها .. هل يعقل هذا ؟ هل وصل حال الأشقاء إلى هذه الدرجة من الجحود ؟ تماما كما فعل شقيق زوجي حين استولى على ميراث أخيه و حرم أولاده منه وكل ما نحصل عليه هو معونة شهرية يلقي بها إلينا كل شهر ، و حين طالبته بحق أولادي ثار و هددني بقطع المعونة قائلا بأن زوجي قد تنازل له عن حقه في مقابل مبلغ من المال و يعلم الله أن هذا كله كذب و افتراء . لقد أوصاني زوجي على الاولاد و على حقهم في الميراث قبل وفاته و لكني فوضت أمري إلى الله .
[  ]كان عم الأولاد لا سامحه الله شخصا جشعا محب للمال ، كما كان مقامرا مدمنا للقمار ، كنت مشتتة الفكر لا ادري ما افعل لو انقطعت عني المعونة الشهرية .