الجزء الحادي عشر :
أبدت الضيفتان امتنانهما لهذا العشاء ، فقد حرصت على إعداد طعام خال من اي شيء تكونان صائمتان عنه ، لذا فقد كانت المائدة عامرة بحساء العدس بالزيت والفول بالزيت و البطاطس المعدة بأكثر من طريقة إلى جانب أقراص الطعمية والباذنجان المقلي وبعض السلاطة .. ياللاسف كنت أود الترحيب بالأم رينيه بشكل أفضل من ذلك لأنها المرة الأولى التي تنزل فيها ضيفة علي ، لكن الظروف حكمت أن تأتي إلى دارنا وهي صائمة ، حسنا ساطلب من عم مرعي الصياد في الصباح أن يحضر لي تشكيلة من السمك من اجل غداء الغد . انتهى العشاء فجلسنا جميعا بغرفة الاستقبال حيث تناولت الضيفتان بعض العصير بينما تناول ابي و جدي وعارف الشاي كعادتهما بعد العشاء ، لكم أتعجب من استطاعتهما النوم بعد تناول الشاي في المساء . قرابة التاسعة والنصف استأذنت الضيفتان في الصعود لغرفتهما لأنهما تنامان مبكرا وعليهما أداء صلواتهما قبل النوم . صاحبتهما حتى غرفتهما وكذلك فعلت مع بناتي ، ولم يبق سوى القرد الصغير مصطفى الذي كان علي وضعه في الفراش قبل اجتماعنا الطاريء بغرفة جدي .. أتمنى أن تمر الليلة بسلام . كنت قلقة على مصطفى من النوم بمفرده في الغرفة لذلك كنت انوي ان اطلب من هناء مرافقته لكنني تراجعت كي لا اخيفها أكثر من ذلك فقد رأت ما حدث ، لذلك طلبت من عارف أخذه معه للمبيت بغرفته بما أن عارف ليس مدعوا لاجتماع الليلة ولا داعي اصلا لاخباره بشيء فهو من النوع الذي يقال عنه ( يخاف من خياله ) ولا داعي ايضا لأن ينقل خوفه دون قصد إلى الصغير ، إذ أن عارف ومصطفى قريبين جدا من بعضهما أو قد نقول صديقين برغم اختلاف الأعمار . حين طلبت من عارف اصطحاب مصطفى للمبيت معه رحب بطلبي ثم سألني هل هناك اجتماع بخصوص سهيلة فهززت راسي أن نعم فهز رأسه علامة الفهم ولم يعلق . بالطبع ترون أن الأمر غريبا ألا يهتم واحد من أفراد الأسرة بحضور مجلس يتعلق بشقيقته الصغرى ، لكن الأمر في بيتنا على عكس ذلك تماما ، فجدي هو الآمر الناهي في هذا البيت وانا من ينوب عنه ويحل محله في الظروف الطارئة ، وحين يقرر من يدعو لحضور جلسة عائلية ومن يستثني فعلى الجميع الطاعة والتنفيذ حتى لو كان المستثنى هو أبي نفسه . لذا فلم يكن الأمر غريبا على عارف ، لقد ربانا جدي على ألا يتدخل أحدنا في شأن لا يعنيه . لم يكن جدي بالرجل القاسي لكنه كان رجلا حكيما ربما أكثر من اللازم ، فهو يعرف من يصلح لماذا ومن لا يصلح ، كان من النوع الذي يتنبأ بتصرفات الآخرين و ردود أفعالهم في المواقف المختلفة ، وقد ورث تلك الصفة عن أبيه وجده أما أبي فلا بينما ورثتها انا عن جدي ، لذلك فهو يثق بي وبقدرتي على التصرف ويعتمد علي في كل شيء تقريبا إلا شيئا واحدا يخاف علي أن أحمله برغم ثقته بقدرتي عليه ، ستعرفونه قريبا .
خلد جميع من في البيت إلى فراشهم ماعدا أنا وأبي و سهيلة وجدي طبعا ، ثم حانت اللحظة ، فطلب مني جدي ان ألحق به هو وابي بعد ربع ساعة من الآن أي في تمام العاشرة والنصف وأن تأتي سهيلة إلينا في الحادية عشرة تماما . لا تستغربوا الأمر فهذه هي عادته كلما كان الحدث جللا ويستدعي اللوم أو العقاب ، فصعوده للغرفة بصحبة أبي إنما لإطلاعه على الخطوط العريضة لما يجري بينما دخولي إليهما يعني أن علي شرح الأمر برمته وعرضه أمامهما مع إبداء رأيي ، ثم انتظار الشخص الذي عقد المجلس من أجله وعلى هذا الشخص ان يدخل بعدنا بفترة ليجد ثلاثتنا بانتظاره كعامل نفسي من شأنه إشعار المخطئ بفداحة ما فعل . كنت أجد هذا التقليد العائلي غاية في الغرابة لكن جدي كان قد تعود عليه منذ ايام جده رحمه الله ، كان الأمر يشبه المجلس العرفي ولكنه على المستوى العائلي . تناقش ثلاثتنا بشأن سهيلة وكان علينا إيجاد حل للأزمة اولا من ناحية مهربي الآثار ومن الناحية الأخرى ذلك الكائن المخيف الذي ظهر بمنزلنا اليوم و رآه أكثر من شخص ، و إلى أي مدى تصل خطورة ذلك المخلوق . قال لنا جدي : "اعتقد أن ذلك المخلوق هو حارس أو خادم السحر الموضوع كلعنة على المقبرة" . آثرت الصمت ولم أشأ أن اقاطعه كنت استمع واحلل ما يقول ، بينما بدى أبي شارد الذهن لا يتحدث وكلما وجه له جدي الحديث هز رأسه علامة الموافقة كنت اتابع و أراقب كلا منهما وأنا صامتة . أخيرا سمعنا دقات على الباب ، لابد أنها سهيلة تستأذن للدخول رددت عليها : "أدخلي" ، فتح الباب و دخلت سهيلة ، كانت ترتجف من الخوف والتوتر وقد بدا عليها القلق ، كان جدي هو أول من قطع حبل الصمت و قال "أريد أن أسمع منك القصة بالتفصيل و إياك والكذب فلسوف أعرف وأنت تعلمين ذلك جيدا ، هيا تحدثي" نظرت لي سهيلة مترددة فقال جدي بشيء من الصرامة : "لقد حكت لي ما قلته لها لكنني أود سماع القصة منك أنت هيا ولا تنظري لنا هكذا كالبلهاء" . بدأت سهيلة تحكي ونحن نستمع لها دون مقاطعتها وحين انتهت من سرد قصتها قال جدي : "هناك أمر تخفيه علينا" نظرت إليه سهيلة برعب وقالت "لقد .. اخبرتكم بالحقيقة .. كلها انا لا اكذب .. أقسم اني لا اكذب"
أبدت الضيفتان امتنانهما لهذا العشاء ، فقد حرصت على إعداد طعام خال من اي شيء تكونان صائمتان عنه ، لذا فقد كانت المائدة عامرة بحساء العدس بالزيت والفول بالزيت و البطاطس المعدة بأكثر من طريقة إلى جانب أقراص الطعمية والباذنجان المقلي وبعض السلاطة .. ياللاسف كنت أود الترحيب بالأم رينيه بشكل أفضل من ذلك لأنها المرة الأولى التي تنزل فيها ضيفة علي ، لكن الظروف حكمت أن تأتي إلى دارنا وهي صائمة ، حسنا ساطلب من عم مرعي الصياد في الصباح أن يحضر لي تشكيلة من السمك من اجل غداء الغد . انتهى العشاء فجلسنا جميعا بغرفة الاستقبال حيث تناولت الضيفتان بعض العصير بينما تناول ابي و جدي وعارف الشاي كعادتهما بعد العشاء ، لكم أتعجب من استطاعتهما النوم بعد تناول الشاي في المساء . قرابة التاسعة والنصف استأذنت الضيفتان في الصعود لغرفتهما لأنهما تنامان مبكرا وعليهما أداء صلواتهما قبل النوم . صاحبتهما حتى غرفتهما وكذلك فعلت مع بناتي ، ولم يبق سوى القرد الصغير مصطفى الذي كان علي وضعه في الفراش قبل اجتماعنا الطاريء بغرفة جدي .. أتمنى أن تمر الليلة بسلام . كنت قلقة على مصطفى من النوم بمفرده في الغرفة لذلك كنت انوي ان اطلب من هناء مرافقته لكنني تراجعت كي لا اخيفها أكثر من ذلك فقد رأت ما حدث ، لذلك طلبت من عارف أخذه معه للمبيت بغرفته بما أن عارف ليس مدعوا لاجتماع الليلة ولا داعي اصلا لاخباره بشيء فهو من النوع الذي يقال عنه ( يخاف من خياله ) ولا داعي ايضا لأن ينقل خوفه دون قصد إلى الصغير ، إذ أن عارف ومصطفى قريبين جدا من بعضهما أو قد نقول صديقين برغم اختلاف الأعمار . حين طلبت من عارف اصطحاب مصطفى للمبيت معه رحب بطلبي ثم سألني هل هناك اجتماع بخصوص سهيلة فهززت راسي أن نعم فهز رأسه علامة الفهم ولم يعلق . بالطبع ترون أن الأمر غريبا ألا يهتم واحد من أفراد الأسرة بحضور مجلس يتعلق بشقيقته الصغرى ، لكن الأمر في بيتنا على عكس ذلك تماما ، فجدي هو الآمر الناهي في هذا البيت وانا من ينوب عنه ويحل محله في الظروف الطارئة ، وحين يقرر من يدعو لحضور جلسة عائلية ومن يستثني فعلى الجميع الطاعة والتنفيذ حتى لو كان المستثنى هو أبي نفسه . لذا فلم يكن الأمر غريبا على عارف ، لقد ربانا جدي على ألا يتدخل أحدنا في شأن لا يعنيه . لم يكن جدي بالرجل القاسي لكنه كان رجلا حكيما ربما أكثر من اللازم ، فهو يعرف من يصلح لماذا ومن لا يصلح ، كان من النوع الذي يتنبأ بتصرفات الآخرين و ردود أفعالهم في المواقف المختلفة ، وقد ورث تلك الصفة عن أبيه وجده أما أبي فلا بينما ورثتها انا عن جدي ، لذلك فهو يثق بي وبقدرتي على التصرف ويعتمد علي في كل شيء تقريبا إلا شيئا واحدا يخاف علي أن أحمله برغم ثقته بقدرتي عليه ، ستعرفونه قريبا .
خلد جميع من في البيت إلى فراشهم ماعدا أنا وأبي و سهيلة وجدي طبعا ، ثم حانت اللحظة ، فطلب مني جدي ان ألحق به هو وابي بعد ربع ساعة من الآن أي في تمام العاشرة والنصف وأن تأتي سهيلة إلينا في الحادية عشرة تماما . لا تستغربوا الأمر فهذه هي عادته كلما كان الحدث جللا ويستدعي اللوم أو العقاب ، فصعوده للغرفة بصحبة أبي إنما لإطلاعه على الخطوط العريضة لما يجري بينما دخولي إليهما يعني أن علي شرح الأمر برمته وعرضه أمامهما مع إبداء رأيي ، ثم انتظار الشخص الذي عقد المجلس من أجله وعلى هذا الشخص ان يدخل بعدنا بفترة ليجد ثلاثتنا بانتظاره كعامل نفسي من شأنه إشعار المخطئ بفداحة ما فعل . كنت أجد هذا التقليد العائلي غاية في الغرابة لكن جدي كان قد تعود عليه منذ ايام جده رحمه الله ، كان الأمر يشبه المجلس العرفي ولكنه على المستوى العائلي . تناقش ثلاثتنا بشأن سهيلة وكان علينا إيجاد حل للأزمة اولا من ناحية مهربي الآثار ومن الناحية الأخرى ذلك الكائن المخيف الذي ظهر بمنزلنا اليوم و رآه أكثر من شخص ، و إلى أي مدى تصل خطورة ذلك المخلوق . قال لنا جدي : "اعتقد أن ذلك المخلوق هو حارس أو خادم السحر الموضوع كلعنة على المقبرة" . آثرت الصمت ولم أشأ أن اقاطعه كنت استمع واحلل ما يقول ، بينما بدى أبي شارد الذهن لا يتحدث وكلما وجه له جدي الحديث هز رأسه علامة الموافقة كنت اتابع و أراقب كلا منهما وأنا صامتة . أخيرا سمعنا دقات على الباب ، لابد أنها سهيلة تستأذن للدخول رددت عليها : "أدخلي" ، فتح الباب و دخلت سهيلة ، كانت ترتجف من الخوف والتوتر وقد بدا عليها القلق ، كان جدي هو أول من قطع حبل الصمت و قال "أريد أن أسمع منك القصة بالتفصيل و إياك والكذب فلسوف أعرف وأنت تعلمين ذلك جيدا ، هيا تحدثي" نظرت لي سهيلة مترددة فقال جدي بشيء من الصرامة : "لقد حكت لي ما قلته لها لكنني أود سماع القصة منك أنت هيا ولا تنظري لنا هكذا كالبلهاء" . بدأت سهيلة تحكي ونحن نستمع لها دون مقاطعتها وحين انتهت من سرد قصتها قال جدي : "هناك أمر تخفيه علينا" نظرت إليه سهيلة برعب وقالت "لقد .. اخبرتكم بالحقيقة .. كلها انا لا اكذب .. أقسم اني لا اكذب"